ابن تيمية

346

مجموعة الفتاوى

وَالْمَوَاثِيقَ تَقْتَضِي لَهُ وُجُوباً ثَانِياً غَيْرَ الْوُجُوبِ الثَّابِتِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَتَكُونُ وَاجِبَةً مِنْ وَجْهَيْنِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ تَارِكُهَا مِن العُقُوبَةِ مَا يَسْتَحِقُّهُ نَاقِضُ الْعُهُودِ وَالْمِيثَاقِ ؛ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ عَاصِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ . هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّهُ إذَا نَذَرَ وَاجِباً فَهُوَ بَعْدَ النَّذْرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ النَّذْرِ ؛ بِخِلَافِ نَذْرِ الْمُسْتَحَبِّ . فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ؛ بَلْ النَّذْرُ إذَا كَانَ يُوجِبُ فِعْلَ الْمُسْتَحَبِّ فَإِيجَابُهُ لِفِعْلِ الْوَاجِبِ أَوْلَى ؛ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ ؛ بَلْ هُمَا وجوبان مِنْ نَوْعَيْنِ لِكُلِّ نَوْعٍ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِ الْآخَرِ ؛ مِثْلُ الْجَدَّةِ إذَا كَانَتْ أُمَّ أُمِّ أُمٍّ وَأُمَّ أُمِّ أَب ؛ فَإِنَّ فِيهَا سَبَبَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا تَسْتَحِقُّ بِهِ السُّدْسَ . وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا : إنَّ الشُّرُوطَ الَّتِي هِيَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهَا ؛ أَوْ قَالَ تَفْسُدُ حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ : زَوَّجْتُك عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ إمْسَاكٍ بِمَعْرُوفِ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانِ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِداً لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ الطَّلَاقَ : فَهَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ جِدّاً ؛ فَإِنَّ الْعُقُودَ إنَّمَا وَجَبَتْ مُوجِبَاتُهَا لِإِيجَابِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَمُطْلَقُ الْعَقْدِ لَهُ مَعْنًى مَفْهُومٌ فَإِذَا أُطْلِقَ كَانَا قَدْ أَوْجَبَا مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ هُوَ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ كَمُوجَبِ النَّذْرِ لَمْ يُوجِبْهُ الشَّارِعُ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الْوَفَاءَ بِالْعُقُودِ كَمَا أَوْجَبَ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ . فَإِذَا كَانَ لَهُ مُوجَبٌ مَعْلُومٌ بِلَفْظِ مُطْلَقٍ أَوْ بِعُرْفِ وَصَرَّحَ الْمُتَعَاقِدَانِ بِإِيجَابِهِ بِلَفْظِ خَاصٍّ كَانَ هَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فَيَكُونُ الْعَاقِدُ