ابن تيمية

312

مجموعة الفتاوى

وَبِهَذَا التَّقْسِيمِ يَظْهَرُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنْ نَوَى بِالِاسْتِثْنَاءِ مَعْنَى قَوْلِهِ { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً } { إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } فَإِنَّ الرَّجُلَ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَقُولَ لَأَفْعَلَنَّهُ غَداً إلَّا أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا الْبَحْثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الرَّافِعَ لِلْكَفَّارَةِ إنَّمَا يُعَلِّقُ مَا فِي الْيَمِينِ مِنْ مَعْنَى الْخَبَرِ الْمَحْضِ أَوْ الْمَشُوبِ ؛ لَا يُعَلِّقُ مَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الطَّلَبِ الْمَحْضِ أَوْ الْمَشُوبِ ؛ إذْ مُخَالَفَةُ الطَّلَبِ لَا تُوجِبُ كَفَّارَةً وَإِنَّمَا يُوجِبُهَا مُخَالَفَةُ الْخَبَرِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّفْعَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ فِي الْمَشِيئَةِ تَعْلِيقٌ وَالتَّعْلِيقُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَقَعْ ؛ بِخِلَافِ مَا قَدْ وَقَعَ . وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَرْفَعُ الْإِنْشَاءَاتِ بِأَسْرِهَا لَا الطَّلَاقَ وَلَا غَيْرَهُ كَمَا لَا يَرْفَعُ مُوجَبَ الطَّلَبِ . وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ هَذِهِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ الْمُغَلَّبُ عَلَيْهَا حُكْمُ الْإِنْشَاءَاتِ ؛ لِامْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ فِيهَا وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهَا بِأَسْرِهَا اسْتِثْنَاءُ تَحْقِيقٌ ؛ لَا تَعْلِيقٍ كَقَوْلِهِ : كَانَ هَذَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَكَانَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ . وَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا " الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَيْمَانِ " إنْ عَادَ إلَى الْمُوَافَاةِ فَعَلَى بَابِهِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الِاسْمِ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَخَالَفَهُ فِيهِ صَاحِبُ مُعَاذٍ بِتَأْوِيلِ صَحِيحٍ وَتَرْكُهُ جَائِزٌ . وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ أَحْسَنَ