ابن تيمية

270

مجموعة الفتاوى

وَأَيْضاً قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } إلَى قَوْلِهِ : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } وَالْحُجَّةُ مِنْهَا كَالْحُجَّةِ مِن الأُولَى وَأَقْوَى ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : { لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } وَهَذَا عَامٌّ لِتَحْرِيمِهَا بِالْأَيْمَانِ مِن الطَّلَاقِ وَغَيْرِهَا ؛ ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ الْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ } أَيْ فَكَفَّارَةُ تَعْقِيدِكُمْ أَوْ عَقْدِكُمْ الْأَيْمَانَ وَهَذَا عَامٌّ ؛ ثُمَّ قَالَ : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } وَهَذَا عَامٌّ كَعُمُومِ قَوْلِهِ : { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } . وَمِمَّا يُوضِحُ " عُمُومَهُ " أَنَّهُمْ قَدْ أَدْخَلُوا الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَلَفَ فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ } فَأَدْخَلُوا فِيهِ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَالنَّذْرِ وَالْحَلِفَ بِاَللَّهِ . وَإِنَّمَا لَمْ يُدْخِلْ مَالِكٌ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا تَنْجِيزَ الطَّلَاقِ مُوَافَقَةً لِابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِحَلِفِ ؛ وَإِنَّمَا الْحَلِفُ الْمُنْعَقِدُ مَا تَضَمَّنَ مَحْلُوفاً بِهِ وَمَحْلُوفاً عَلَيْهِ : إمَّا بِصِيغَةِ الْقَسَمِ وَإِمَّا بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ؛ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَهَذِهِ الدِّلَالَةُ تَنْبِيهٌ عَلَى أُصُولِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ " نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ " فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا عَلَى التَّكْفِيرِ فِيهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَجَعَلُوا قَوْلَهُ : { تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } { كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ } عَامّاً فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَالْيَمِينِ بِالنَّذْرِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ شُمُولَ اللَّفْظِ لِنَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ فِي الْحَجِّ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِمَا سَوَاءٌ .