ابن تيمية

250

مجموعة الفتاوى

مِنْ فِرَاقِ أَهْلِهِ وَذَهَابِ مَالِهِ ؛ لَيْسَ غَرَضُ هَذَا أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِعِتْقِ أَوْ صَدَقَةٍ وَلَا أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ . وَلِهَذَا سَمَّى الْعُلَمَاءُ هَذَا " نَذْرَ اللَّجَاجِ ؛ وَالْغَضَبِ " مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ " { لَأَنْ يَلِجَ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ الْكَفَّارَةَ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ لَهُ } " فَصُورَةُ هَذَا النَّذْرِ صُورَةُ نَذْرِ التَّبَرُّرِ فِي اللَّفْظِ ؛ وَمَعْنَاهُ شَدِيدُ الْمُبَايَنَةِ لِمَعْنَاهُ . وَمِنْ هنا نَشَأَتْ " الشُّبْهَةُ " الَّتِي سَنَذْكُرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى طَائِفَةٍ مِن العُلَمَاءِ ؛ وَيَتَبَيَّنُ فِقْهُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الَّذِينَ نَظَرُوا إلَى مَعَانِي الْأَلْفَاظِ لَا إلَى صُوَرِهَا . إذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ الدَّاخِلَةُ فِي قِسْمِ التَّعْلِيقِ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ بَعْضَهَا مَعْنَاهُ مَعْنَى الْيَمِينِ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ ؛ وَبَعْضَهَا لَيْسَ مَعْنَاهُ ذَلِكَ . فَمَتَى كَانَ الشَّرْطُ الْمَقْصُودُ حَضّاً عَلَى فِعْلٍ أَوْ مَنْعاً مِنْهُ أَوْ تَصْدِيقاً لِخَبَرِ ؛ أَوْ تَكْذِيباً : كَانَ الشَّرْطُ مَقْصُودَ الْعَدَمِ هُوَ وَجَزَاؤُهُ ؛ كَنَذْرِ اللَّجَاجِ ؛ وَالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ . " الْقَاعِدَةُ الْأُولَى " أَنَّ الْحَالِفَ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى حُكْمَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَقَالَ تَعَالَى : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } وَقَالَ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ