ابن تيمية
25
مجموعة الفتاوى
مَنْ يُبِيحُ الْمُلْكَ مُطْلَقاً ؛ مِنْ غَيْرِ تَقَيُّدٍ بِسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ ؛ كَمَا هُوَ فِعْلُ الظَّلَمَةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ وَأَفْرَادِ الْمُرْجِئَةِ . وَهَذَا تَفْصِيلٌ جَيِّدٌ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ . و " تَحْقِيقُ الْأَمْرِ " أَنْ يُقَالَ : انْتِقَالُ الْأَمْرِ عَنْ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ إلَى الْمُلْكِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَجْزِ الْعِبَادِ عَنْ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ أَوْ اجْتِهَادٍ سَائِغٍ أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ عِلْماً وَعَمَلاً ؛ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَجْزِ عِلْماً أَوْ عَمَلاً كَانَ ذُو الْمُلْكِ مَعْذُوراً فِي ذَلِكَ . وَإِنْ كَانَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةً مَعَ الْقُدْرَةِ ؛ كَمَا تَسْقُطُ سَائِرُ الْوَاجِبَاتِ مَعَ الْعَجْزِ كَحَالِ النَّجَاشِيِّ لَمَّا أَسْلَمَ وَعَجَزَ عَنْ إظْهَارِ ذَلِكَ فِي قَوْمِهِ ؛ بَلْ حَالُ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ تُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ؛ لَكِنَّ الْمُلْكَ كَانَ جَائِزاً لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ كدَاوُد وَسُلَيْمَانَ وَيُوسُفَ . وَإِنْ كَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عِلْماً وَعَمَلاً وَقُدِّرَ أَنَّ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَأَنَّ اخْتِيَارَ الْمُلْكِ جَائِزٌ فِي شَرِيعَتِنَا كَجَوَازِهِ فِي غَيْرِ شَرِيعَتِنَا : فَهَذَا التَّقْدِيرُ إذَا فُرِضَ أَنَّهُ حَقٌّ فَلَا إثْمَ عَلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَيْضاً . وَهَذَا الْوَجْهُ قَدْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي " الْمُعْتَمَدِ " لَمَّا تَكَلَّمَ فِي تَثْبِيتِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى ظُهُورِ إسْلَامِهِ وَعَدَالَتِهِ وَحُسْنِ سِيرَتِهِ وَأَنَّهُ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ لَمَّا عَقَدَهَا الْحَسَنُ لَهُ وَسُمِّيَ ذَلِكَ " عَامُ الْجَمَاعَةِ " وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : { تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَامِ عَلَى رَأْسِ خَمْسٍ