ابن تيمية
177
مجموعة الفتاوى
وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ سَبَبَ الْكُسُوفِ إذَا كَانَ - مَثَلاً - كَوْنَ الْقَمَرِ إذَا حَاذَاهَا مَنَعَ نُورَهَا أَنْ يَصِلَ إلَى الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَلَّلَ ذَلِكَ بِالتَّجَلِّي . وَالتَّجَلِّي الْمَذْكُورُ لَا يُنَافِي السَّبَبَ الْمَذْكُورَ ؛ فَإِنَّ خُشُوعَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِلَّهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ إذَا حَصَلَ لِنُورِهِ مَا يَحْصُلُ مِنْ انْقِطَاعٍ يَرْفَعُ تَأْثِيرَهُ عَنْ الْأَرْضِ ؛ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ سُلْطَانِهِ وَمَوْضِعِ انْتِشَارِهِ وَتَأْثِيرِهِ ؛ فَإِنَّ الْمَلِكَ الْمُتَصَرِّفَ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ لَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لَذَلَّ لِذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً } فَالْمُدَبِّرَاتُ هِيَ الْمَلَائِكَةُ . وَأَمَّا إقْسَامُ اللَّهِ بِالنُّجُومِ كَمَا أَقْسَمَ بِهَا فِي قَوْلِهِ : { فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ } { الْجَوَارِي الْكُنَّسِ } فَهُوَ كَإِقْسَامِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ كَمَا أَقْسَمَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ : يَقْتَضِي تَعْظِيمَ قَدْرِ الْمُقْسَمِ بِهِ وَالتَّنْبِيهَ عَلَى مَا فِيهِ مِن الآيَاتِ وَالْعِبْرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلنَّاسِ ؛ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْقُلُوبُ بِهِ أَوْ يُظَنَّ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْعِدُ الْمُنْحِسُ كَمَا لَا يُظَنَّ ذَلِكَ فِي { وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى } { وَالنَّهَارِ إذَا تَجَلَّى } وَفِي { وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً } { فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً } وَفِي { وَالطُّورِ } { وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . وَاعْتِقَادُ الْمُعْتَقِدِ أَنَّ نَجْماً مِن النُّجُومِ السَّبْعَةِ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِسَعْدِهِ وَنَحْسِهِ اعْتِقَادُهُ فَاسِدٌ وَأَنَّ الْمُعْتَقِدَ أَنَّهُ هُوَ الْمُدَبِّرُ لَهُ : فَهُوَ كَافِرٌ . وَكَذَلِكَ إنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ دُعَاؤُهُ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ كَانَ كُفْراً ؛ وَشِرْكاً مَحْضاً وَغَايَةُ