ابن تيمية

106

مجموعة الفتاوى

وَهَذِهِ الْآيَةُ تُوجِبُ رِزْقَ الْمُرْتَضِعِ عَلَى أَبِيهِ ؛ لِقَوْلِهِ : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } فَأَوْجَبَ نَفَقَتَهُ حَمْلاً وَرَضِيعاً بِوَاسِطَةِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ رِزْقُهُ بِدُونِ رِزْقِ حَامِلِهِ وَمُرْضِعِهِ . فَسُئِلْت : فَأَيْنَ نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ بَعْدَ فِطَامِهِ ؟ فَقُلْت : دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ تَنْبِيهاً ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ فِي حَالِ اخْتِفَائِهِ وَارْتِضَاعِهِ أَوْجَبَ نَفَقَةَ مَنْ تَحْمِلُهُ وَتُرْضِعُهُ ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ إلَّا بِذَلِكَ : فَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بَعْدَ فِصَالِهِ إذَا كَانَ يُبَاشِرُ الِارْتِزَاقَ بِنَفْسِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى . وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الِاسْتِدْلَالِ فَقَدْ تَضَمَّنَ الْخِطَابُ التَّنْبِيهَ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسْكُوتِ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْمَنْطُوقِ ؛ وَتَضَمَّنَ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ بِكَوْنِ النَّفَقَةِ إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْأَبِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَهُ الْوَلَدُ دُونَ الْأُمِّ ؛ وَمَنْ كَانَ الشَّيْءُ لَهُ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ ؛ وَلِذَا سُمِّيَ الْوَلَدُ كَسْباً فِي قَوْلِهِ : ( وَمَا كَسَبَ وَفِي قَوْلِهِ : " { إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ؛ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } . وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارِيَةٌ تَائِبَةٌ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ : أَيُّ شَيْءٍ يَلْزَمُ سَيِّدَهَا إذَا لَمْ يُجَامِعْهَا ؟ فَأَجَابَ : إذَا كَانَتْ مُحْتَاجَةً إلَى النِّكَاحِ فليعفها : إمَّا بِأَنْ يَطَأَهَا وَإِمَّا بِأَنْ يُزَوِّجَهَا لِمَنْ يَطَؤُهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهَا إلَّا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدُهَا