ابن تيمية

105

مجموعة الفتاوى

فِي الْقَوْلِ : عَلَى أَنَّهُ إذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحَدُّ الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ . فَبَيَّنَ أَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى السُّكْرِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الِافْتِرَاءِ يَلْحَقُهُ بِالْمُقْدِمِ عَلَى الِافْتِرَاءِ ؛ إقَامَةً لِمَظِنَّةِ الْحِكْمَةِ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ هُنَا خَفِيَّةٌ مُسْتَتِرَةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُعْلَمُ افْتِرَاؤُهُ وَلَا مَتَى يَفْتَرِي وَلَا عَلَى مَنْ يَفْتَرِي ؛ كَمَا أَنَّ الْمُضْطَجِعَ يُحْدِثُ وَلَا يَدْرِي هَلْ هُوَ أَحْدَثَ أَمْ لَا فَقَامَ النَّوْمُ مَقَامَ الْحَدَثِ . فَهَذَا فِقْهٌ مَعْرُوفٌ فَلَوْ كَانَتْ تَصَرُّفَاتُهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ : لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ امْرَأَتُهُ سَوَاءٌ طَلَّقَ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ كَمَا يُحَدُّ حَدَّ الْمُفْتَرِي سَوَاءٌ افْتَرَى أَوْ لَمْ يَفْتَرِ . وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ . " الْمَأْخَذُ الثَّانِي " أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ زَوَالَ عَقْلِهِ إلَّا بِقَوْلِهِ وَهُوَ فَاسِقٌ بِشُرْبِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْعَقْلِ وَالسُّكْرِ . وَحَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْبَاطِنِ ؛ وَلَكِنْ فِي الظَّاهِرِ لَا يَقْبَلُ دَعْوَى الْمُسْقِطِ . وَمَنْ قَالَ بِهَذَا قَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ . " الْمَأْخَذُ الثَّالِثُ " وَهُوَ مَأْخَذُ الْأَئِمَّةِ مَنْصُوصاً عَنْهُمْ : الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد : أَنَّ حُكْمَ التَّكْلِيفِ جَارٍ عَلَيْهِ ؛ لَيْسَ كَالْمَجْنُونِ الْمَرْفُوعِ عَنْهُ الْقَلَمُ وَلَا النَّائِمِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانُ مُعَاقِبٌ كَمَا ذَكَرَهُ الصَّحَابَةُ . وَلَيْسَ مَأْخَذٌ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا . وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَد : مَا قِيلَ فِيهِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا . وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضاً فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ وَقْتَ السُّكْرِ يُؤْمَرُ وَيُنْهَى فَهَذَا بَاطِلٌ ؛ فَإِنَّ مَنْ