ابن تيمية

24

مجموعة الفتاوى

الْعِبْرَةَ بِتَعْيِينِ الْأَبِ كَانَ فِي قَوْلِهِ مِن الفَسَادِ وَالضَّرَرِ وَالشَّرِّ مَا لَا يَخْفَى فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ؛ وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا } وَفِي رِوَايَةٍ : { الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا } . فَلَمَّا جَعَلَ الثَّيِّبَ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبِكْرَ لَيْسَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا ؛ بَلْ الْوَلِيُّ أَحَقُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِلْأَبِ وَالْجَدِّ . هَذِهِ عُمْدَةُ الْمُجْبِرِينَ وَهُمْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِنَصِّ الْحَدِيثِ وَظَاهِرِهِ ؛ وَتَمَسَّكُوا بِدَلِيلِ خِطَابِهِ ؛ وَلَمْ يَعْلَمُوا مُرَادَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : { الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا } يَعُمُّ كُلَّ وَلِيٍّ وَهُمْ يَخُصُّونَهُ بِالْأَبِ وَالْجَدِّ . " والثَّانِي " قَوْلُهُ : { وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ } وَهْم لَا يُوجِبُونَ اسْتِئْذَانَهَا ؛ بَلْ قَالُوا : هُوَ مُسْتَحَبٌّ حَتَّى طَرَدَ بَعْضُهُمْ قِيَاسَهُ ؛ وَقَالُوا لَمَّا كَانَ مُسْتَحَبّاً اكْتَفَى فِيهِ بِالسُّكُوتِ وَادَّعَى أَنَّهُ حَيْثُ يَجِبُ اسْتِئْذَانُ الْبِكْرِ فَلَا بُدَّ مِن النُّطْقِ . وَهَذَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد . وَهَذَا مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُمْ ؛ وَلِنُصُوصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ ؛ وَاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ قَبْلَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ إذَا زَوَّجَ الْبِكْرَ أَخُوهَا أَوْ عَمُّهَا فَإِنَّهُ يَسْتَأْذِنُهَا ؛ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا . وَأَمَّا الْمَفْهُومُ : فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ؛ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : { لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ وَلَا الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ } فَذَكَرَ فِي هَذِهِ لَفْظَ " الْإِذْنِ " وَفِي هَذِهِ لَفَظَ " الْأَمْرِ " وَجَعَلَ إذْنَ هَذِهِ الصُّمَاتَ ؛ كَمَا أَنَّ إذَنْ تِلْكَ النُّطْقُ . فَهَذَانِ هُمَا الْفَرْقَانِ اللَّذَانِ فَرَّقَ بِهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْبِكْرِ