ابن تيمية
30
مجموعة الفتاوى
الطَّاعَاتُ كَالنَّذْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ طَاعَةً فَمَتَى كَانَ مُبَاحاً لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ لَكِنْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ كَالنِّزَاعِ فِي الْكَفَّارَةِ بِنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ ؛ لَكِنْ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ وَنَذْرُ الْمُبَاحِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ أَيْضاً . وَحُكْمُ الشُّرُوطِ فِيهِ يُعْرَفُ بِذِكْرِ أَصْلَيْنِ : أَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا وَقَفَ الْوُقُوفَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَنْتَفِعَ بِثَوَابِهِ وَأَجْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ إلَّا بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ . وَلِهَذَا فُرِّقَ بَيْنَ مَا قَدْ يُقْصَدُ بِهِ مَنْفَعَةُ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ . فَالْأَوَّلُ : كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ فَهَذَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَبْذُلَ مَالَهُ فِيهَا لِيَحْصُلَ أَغْرَاضاً مُبَاحَةً دُنْيَوِيَّةً وَمُسْتَحَبَّةً وَدِينِيَّةً بِخِلَافِ الْأَغْرَاضِ الْمُحَرَّمَةِ . وَأَمَّا الْوَقْفُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْذُلَ مِلْكَهُ إلَّا فِيمَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا بَذَلَهُ فِيمَا لَا يَنْفَعُهُ فِي الدِّينِ وَالْوَقْفُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الدُّنْيَا صَارَ بَذْلُ الْمَالِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ ؛ لَا فِي دِينِهِ وَلَا فِي دُنْيَاهُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ . وَلِهَذَا فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ وَعَلَى جِهَةٍ . فَلَوْ وَقَفَ أَوْ وَصَّى لِمُعَيَّنِ جَازَ وَإِنْ كَانَ كَافِراً ذِمِّيّاً لِأَنَّ صِلَتَهُ مَشْرُوعَةٌ . كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً } وَمِثْلِ حَدِيثِ