ابن تيمية

129

مجموعة الفتاوى

أَحَدِ العمومين عَلَى الْآخَرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْعُمُومَ الثَّانِيَ بِمَجْمُوعِهِ مُرَتَّبٌ عَلَى مَجْمُوعِ الْعُمُومِ الْأَوَّلِ وَعَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ فَلَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ الثَّانِي فِي الْوَقْفِ حَتَّى يَنْقَضِيَ جَمِيعُ أَفْرَادِ الْعُمُومِ الْأَوَّلِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ تَرْتِيباً يُوَزِّعُ فِيهِ الْأَفْرَادَ عَلَى الْأَفْرَادِ فَيَكُونُ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ دَاخِلاً عِنْدَ عَدَمِ وَالِدِهِ ؛ لَا عِنْدَ عَدَمِ وَالِدِ غَيْرِهِ ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ } وَقَوْلِهِمْ : النَّاسُ يُحِبُّونَ أَوْلَادَهُمْ . وَاللَّفْظُ صَالِحٌ لِكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَلَاحاً قَوِيّاً ؛ لَكِنْ قَدْ يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِأَسْبَابِ أُخْرَى كَمَا رَجَّحَ الْجُمْهُورُ تَرْتِيبَ الْكُلِّ عَلَى الْكُلِّ فِي قَوْلِهِ : وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ . فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ وَبَيْنَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ مُسَاوَاةٌ فِي الْعَدَدِ حَتَّى يَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مُرَتَّباً عَلَى الْآخَرِ وَلَا مُنَاسَبَةٌ تَقْتَضِي أَنْ يُعَيِّنَ لِزَيْدِ هَذَا الْمِسْكِينَ وَلِعَمْرِو هَذَا وَلِبَكْرِ هَذَا ؛ بِخِلَافِ قَوْلِنَا : النَّاسُ يُحِبُّونَ أَوْلَادَهُمْ ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَنْ لَهُ وَلَدٌ . فَصَارَ أَحَدُ العمومين مُقَاوِماً لِلْآخَرِ . وَفِي أَوْلَادِهِمْ مِن الإِضَافَةِ مَا اقْتَضَى أَنْ يُعَيِّنَ لِكُلِّ إنْسَانٍ وَلَدَهُ دُونَ وَلَدِ غَيْرِهِ . وَكَمَا يَتَرَجَّحُ الْمَعْنَى الثَّانِي فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ } إلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَنْ الْمُخَاطَبِينَ جَمِيعَ أُمَّهَاتِ الْمُخَاطَبِينَ وَبَنَاتَهمْ ؛ وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أُمَّهُ وَبِنْتَه