ابن تيمية
116
مجموعة الفتاوى
وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا مُقَيِّدَةٌ ؛ وَكَذَلِكَ بَعْضُ أَنْوَاعِ الْعَطْفِ ؛ لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِ ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْعَطْفِ الْمُغَيِّرِ وَغَيْرِ الْمُغَيِّرِ فِي " بَابِ الْإِقْرَارِ وَالطَّلَاقِ وَالْعُقُودِ " . وَمَنْ رَامَ أَنْ يَجْعَلَ الْكَلَامَ مَعْنًى صَحِيحاً قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ لَزِمَهُ أَنْ يَجْعَلَ أَوَّلَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ كُفْراً وَآخِرَهَا إيمَاناً ؛ وَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهَا قَدْ كَفَرَ ؛ ثُمَّ آمَنَ . فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا الْخَبَالِ . وَإِنْ كَانَ قَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ قَالَ : مَا كَلِمَةٌ أَوَّلُهَا كُفْرٌ وَآخِرُهَا إيمَانٌ ؟ فَقِيلَ لَهُ : مَا هِيَ ؟ فَقَالَ : كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ . قُلْت قَصَدَ بِذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَهَا لَوْ سَكَتَ عَلَيْهِ كَانَ كُفْراً ؛ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا كُفْرٌ مَعَ اتِّصَالِهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ هَذَا لَكَانَ قَدْ كَفَرَ . وَلِهَذَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ : الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلَّمَ بِمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى . وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَظَنَّ أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ . كَانَتْ الْأَلْفُ مَجَازاً ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِجُمْلَةِ الْعَدَدِ ؛ وَلَمْ يُرِدْ الْمُتَكَلِّمُ ذَلِكَ . فَيُقَالُ لَهُ : هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ إذَا كَانَ مُنْفَرِداً عَنْ صِلَةٍ ؛ وَذَلِكَ الشَّرْطُ قَدْ زَالَ . ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : إنَّمَا فُهِمَ الْمَعْنَى هُنَا بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ : أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ ؛ لَا بِنَفْسِ الْأَلْفِ . فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ هِيَ الدَّالَّةُ عَلَى تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ . وَهَذِهِ شُبْهَةُ مَنْ رَأَى أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ تَخْصِيصاً مُتَّصِلاً مَجَازٌ . كَالْعَامِّ الْمَخْصُوصِ تَخْصِيصاً مُنْفَصِلاً عِنْدَ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ