ابن تيمية
114
مجموعة الفتاوى
أَوْ سُودٌ أَوْ نَاقِصَةٌ أَوْ طبرية أَوْ أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ وَنَحْوُ ذَلِكَ : كَانَ مُقِرّاً بِتِلْكَ الصِّفَةِ الْمُقَيَّدَةِ . وَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رُجُوعاً لَمَا قُبِلَ فِي الْإِقْرَارِ ؛ إذْ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُ الْمُقِرِّ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ . وَكَثِيراً مَا قَدْ يَغْلَطُ بَعْضُ الْمُتَطَرِّفِينَ مِن الفُقَهَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ شَرْطِ وَاقِفٍ أَوْ يَمِينِ حَالِفٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ : فَيَرَى أَوَّلَ الْكَلَامِ مُطْلَقاً أَوْ عَامّاً وَقَدْ قَيَّدَ فِي آخِرِهِ . فَتَارَةً يَجْعَلُ هَذَا مِنْ بَابِ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِمَا بِالْأَحْكَامِ الْمَعْرُوفَةِ لِلدَّلَائِلِ الْمُتَعَارِضَةِ مِن التَّكَافُؤِ وَالتَّرْجِيحِ . وَتَارَةً يَرَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُتَنَاقِضٌ ؛ لِاخْتِلَافِ آخِرِهِ وَأَوَّلِهِ . وَتَارَةً يَتَلَدَّدُ تَلَدُّدَ الْمُتَحَيِّرِ وَيَنْسِبُ الشَّاطِرَ إلَى فِعْلِ الْمُقَصِّرِ . وَرُبَّمَا قَالَ : هَذَا غَلَطٌ مِن الكَاتِبِ . وَكُلُّ هَذَا مَنْشَؤُهُ مِنْ عَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ وَالْكَلَامِ الْمُنْفَصِلِ . وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ أَوَّلِ كَلَامِهِ حَتَّى يَسْكُتَ سُكُوتاً قَاطِعاً وَأَنَّ الْكَاتِبَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ كِتَابِهِ حَتَّى يَفْرَغَ فَرَاغاً قَاطِعاً : زَالَتْ عَنْهُ شُبْهَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ وَعَلِمَ صِحَّةَ مَا تَقُولُهُ الْعُلَمَاءُ فِي دَلَالَاتِ الْخِطَابِ . وَمِنْ أَعْظَمِ التَّقْصِيرِ نِسْبَةُ الْغَلَطِ إلَى مُتَكَلِّمٍ مَعَ إمْكَانِ تَصْحِيحِ كَلَامِهِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى أَحْسَنِ أَسَالِيبِ كَلَامِ النَّاسِ ثُمَّ يَعْتَبِرُ أَحَدَ الْمَوْضِعَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِالْغَلَطِ دُونَ الْآخَرِ فَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ : قَوْلُهُ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ . غَلِطَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَوْلَى مِنْ أَنْ