ابن تيمية

39

مجموعة الفتاوى

وَقَدْ أَخْفَاهُ أَمَرَ الزُّبَيْرَ بِعُقُوبَتِهِ حَتَّى دَلَّهُمْ عَلَى الْمَالِ وَمَنْ كَتَمَ مَالَهُ أَوْلَى بِالْعُقُوبَةِ وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافاً . وَقَدْ ذَكَرُوا بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ مِن الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ إذَا أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ وَيُضْرَبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى ضَرْبِهِ مَرَّةً ؛ بَلْ يُفَرَّقُ عَلَيْهِ الضَّرْبُ فِي أَيَّامٍ مُتَعَدِّدَةٍ حَتَّى يُؤَدِّيَ . وَقَدْ أَجَمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ وَالْمَعَاصِي فَرْعَانِ : تَرْكُ وَاجِبٍ وَفِعْلُ مُحَرَّمٍ . فَمَنْ تَرَكَ أَدَاءَ الْوَاجِبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ عَاصٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ وَالتَّعْزِيرِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ . وَسُئِلَ : عَنْ رَجُلٍ أَحْضَرَ إلَى مَنْزِلِهِ شُهُوداً فَقَالَ : اشْهَدُوا عَلَى أَنَّ ابْنَتِي فُلَانَةَ رَشِيدَةٌ جَائِزَةُ التَّصَرُّفِ لَا حَجْرَ عَلَيْهَا وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ وَأَوْلَادٍ بِحُضُورِ زَوْجِهَا وَأَحَدِ إخْوَتِهَا وَوَالِدَتِهَا وَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ . فَلَمَّا انْصَرَفَ شُهُودُهُ قَالَ أَخُوهَا لِلشُّهُودِ : الرُّشْدُ لَا تَشْهَدُوا بِهِ ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ حَضَرَ وَالِدُهَا وَأَخُوهَا وَقَالَ : وَالِدُهَا أَنَا قَدْ رَجَعْت عَنْ تَرْشِيدِهَا