ابن تيمية

112

مجموعة الفتاوى

الطَّحَّانِ } وَهُوَ : أَنْ يُسْتَأْجَرَ لِيَطْحَنَ الْحَبَّ بِجُزْءِ مِن الدَّقِيقِ . وَالصَّوَابُ : هُوَ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى ؛ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِالْمَعَانِي وَالْمَقَاصِدِ ؛ لَا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ . هَذَا أَصْلُ أَحْمَد وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ وَلَكِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ أَحْمَد قَدْ يَجْعَلُونَ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِتَغَايُرِ اللَّفْظِ كَمَا قَدْ يَذْكُرُ الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَهَذَا كَالسَّلَمِ الْحَالِّ فِي لَفْظِ الْبَيْعِ وَالْخُلْعِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَالْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الْمُزَارَعَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِن المَالِكِ فَلَيْسَ مَعَهُمْ بِذَلِكَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَا أَثَرَ عَنْ الصَّحَابَةِ ؛ وَلَكِنَّهُمْ قَاسُوا ذَلِكَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ . قَالُوا : كَمَا أَنَّهُ فِي الْمُضَارَبَةِ يَكُونُ الْعَمَلُ مِنْ شَخْصٍ وَالْمَالُ مِنْ شَخْصٍ فَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ يَكُونُ الْعَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْمَالُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ . وَهَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ يَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهِ وَيَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ فَنَظِيرُهُ الْأَرْضُ أَوْ الشَّجَرُ يَعُودُ إلَى صَاحِبِهِ وَيَقْتَسِمَانِ الثَّمَرَ وَالزَّرْعَ وَأَمَّا الْبَذْرُ فَإِنَّهُمْ لَا يُعِيدُونَهُ إلَى صَاحِبِهِ ؛ بَلْ يَذْهَبُ بِلَا بَدَلٍ كَمَا يَذْهَبُ عَمَلُ الْعَامِلِ وَعَمَلُ بَقَرِهِ بِلَا بَدَلٍ ؛ فَكَانَ مِنْ جَنْسِ النَّفْعِ لَا مِنْ جَنْسِ الْمَالِ وَكَانَ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ مِن العَامِلِ أَقْرَبَ فِي الْقِيَاسِ مَعَ مُوَافَقَةِ هَذَا الْمَنْقُولِ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُزَارِعُ وَالْبَذْرُ مِنْ