ابن تيمية

83

مجموعة الفتاوى

خَضِرِهَا لَمْ يُخْلَقْ . وَجَوَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِطَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُقَالَ : إنَّ النَّهْيَ لَمْ يَشْمَلْ بِلَفْظِهِ هَذِهِ الصُّورَةَ ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ : انْصَرَفَ إلَى الْبَيْعِ الْمَعْهُودِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ تَنْصَرِفُ إلَى مَا يَعْرِفُهُ الْمُخَاطَبُونَ . فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ شَخْصٌ مَعْهُودٌ أَوْ نَوْعٌ مَعْهُودٌ انْصَرَفَ الْكَلَامُ إلَيْهِ كَمَا انْصَرَفَ اللَّفْظُ إلَى الرَّسُولِ الْمُعَيَّنِ فِي قَوْله تَعَالَى { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } وَفِي قَوْلِهِ : { فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ } أَوْ إلَى النَّوْعِ الْمَخْصُوصِ : نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّمَرِ هُنَا الرُّطَبُ دُونَ الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودَ شَخْصِيٍّ وَلَا نَوْعِيٍّ انْصَرَفَ إلَى الْعُمُومِ . فَالْبَيْعُ الْمَذْكُورُ لِلثَّمَرِ هُوَ بَيْعُ الثَّمَرِ الَّذِي يَعْهَدُونَهُ دَخَلَ كَدُخُولِ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالْقَرْنِ الثَّالِثِ فِيمَا خَاطَبَ بِهِ الرَّسُولُ أَصْحَابَهُ . وَنَظِيرُ هَذَا : مَا ذَكَرَهُ أَحْمَد فِي " { نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَوْلِ الرَّجُلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ } فَحَمَلَهُ عَلَى مَا كَانَ مَعْهُوداً عَلَى عَهْدِهِ مِن المِيَاهِ الدَّائِمَةِ كَالْآبَارِ وَالْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ . فَأَمَّا الْمَصَانِعُ الْكِبَارُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا الَّتِي أُحْدِثَتْ بَعْدَهُ فَلَمْ يُدْخِلْهُ فِي الْعُمُومِ لِوُجُودِ الْفَارِقِ الْمَعْنَوِيِّ وَعَدَمِ