ابن تيمية
64
مجموعة الفتاوى
وَالِاضْطِرَارِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ . وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَلْتَزِمَ ذَلِكَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ فَمَا يُمْكِنُ الْمُسْلِمِينَ الْتِزَامُ ذَلِكَ إلَّا بِفَسَادِ الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ قَطُّ فَضْلاً عَنْ شَرِيعَةٍ قَالَ اللَّهُ فِيهَا : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " { إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ } " { يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا } " { لِيَعْلَمَ الْيَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا سِعَةً } فَكُلُّ مَا لَا يَتِمُّ الْمَعَاشُ إلَّا بِهِ فَتَحْرِيمُهُ حَرَجٌ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعاً . وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا : أَنَّ تَحْرِيمَ مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْأُمَّةُ الْتِزَامَهُ قَطُّ ؛ لِمَا فِيهِ مِن الفَسَادِ الَّذِي لَا يُطَاقُ . فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامِ ؛ بَلْ هُوَ أَشَدُّ مِن الأَغْلَالِ وَالْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَوَضَعَهَا اللَّهُ عَنَّا عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَنْ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ فِي مَوَارِدِهَا وَمَصَادِرِهَا وَجَدَهَا مَبْنِيَّةً عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } وَقَوْلِهِ : { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فَكُلُّ مَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِ فِي مَعَاشِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً - هِيَ تَرْكُ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلُ مُحَرَّمٍ - لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمُضْطَرِّ الَّذِي لَيْسَ بِبَاغٍ وَلَا عَادٍ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً كَالْمُسَافِرِ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ اُضْطُرَّ فِيهِ إلَى الْمَيْتَةِ وَالْمُنْفِقِ لِلْمَالِ