ابن تيمية
46
مجموعة الفتاوى
لَهُ وَأَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يحوجه إلَى الْحِيَلِ الْمُبْتَدَعَةِ أَبَداً . فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَإِنَّمَا بَعَثَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ . فَالسَّبَبُ الْأَوَّلُ : هُوَ الظُّلْمُ . وَالسَّبَبُ الثَّانِي : هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ . وَالظُّلْمُ وَالْجَهْلُ هُمَا وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ : { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } . وَأَصْلُ هَذَا : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الْمُحَرَّمَاتِ مِن الأَعْيَانِ : كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ؛ أَوْ مِن التَّصَرُّفَاتِ : كَالْمَيْسِرِ وَالرِّبَا وَمَا يَدْخُلُ فِيهِمَا مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ وَغَيْرِهِ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن المَفَاسِدِ الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَرَسُولُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ : أَنَّ الْمَيْسِرَ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ سَوَاءٌ كَانَ مَيْسِراً بِالْمَالِ أَوْ بِاللَّعِبِ ؛ فَإِنَّ الْمُغَالَبَةَ بِلَا فَائِدَةٍ وَأَخْذَ الْمَالِ بِلَا حَقٍّ يُوقِعُ فِي النُّفُوسِ ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ رَوَى فَقِيهُ الْمَدِينَةِ مِن الصَّحَابَةِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " { كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ : إنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ دَمَانٌ ، أَصَابَهُ مِرَاضٌ أَصَابَهُ قُشَامٌ : عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ - : فَأَمَّا لَا فَلَا تَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ