ابن تيمية
44
مجموعة الفتاوى
جَزْماً لَا يَقْبَلُ النَّقِيضَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِجَزْمِهِ ، فَيَعْتَقِدُونَ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِاعْتِقَادِهِ لَا بَاطِناً وَلَا ظَاهِراً . وَيَقْصِدُونَ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِقَصْدِهِ وَيَجْتَهِدُونَ اجْتِهَاداً لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ ، فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمْ مِن الاجْتِهَادِ وَالْقَصْدِ مَا يَقْتَضِي مَغْفِرَةَ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ فَكَانُوا ظَالِمِينَ شَبِيهاً بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أَوْ جَاهِلِينَ شَبِيهاً بِالضَّالِّينَ . فَالْمُجْتَهِدُ الِاجْتِهَادَ الْعِلْمِيَّ الْمَحْضَ لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ سِوَى الْحَقِّ . وَقَدْ سَلَكَ طَرِيقَهُ . وَأَمَّا مُتَّبِعُ الْهَوَى الْمَحْضِ : فَهُوَ مَنْ يَعْلَمُ الْحَقَّ وَيُعَانِدُ عَنْهُ . وَثَمَّ قِسْمٌ آخَرُ - وَهُوَ غَالِبُ النَّاسِ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ هَوًى فِيهِ شُبْهَةٌ فَتَجْتَمِعُ الشَّهْوَةُ وَالشُّبْهَةُ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْبَصَرَ النَّافِذَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ } . فَالْمُجْتَهِدُ الْمَحْضُ مَغْفُورٌ لَهُ وَمَأْجُورٌ . وَصَاحِبُ الْهَوَى الْمَحْضِ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعَذَابِ . وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ الِاجْتِهَادَ الْمُرَكَّبَ مِنْ شُبْهَةٍ وَهَوًى : فَهُوَ مُسِيءٌ . وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ حَسَبَ مَا يَغْلِبُ وَبِحَسَبِ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ .