ابن تيمية
20
مجموعة الفتاوى
وَأَيْضاً : فَإِنَّ التَّصَرُّفَاتِ جِنْسَانِ : عُقُودٌ وقبوض . كَمَا جَمَعَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : " { رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً سَمْحاً إذَا بَاعَ سَمْحاً إذَا اشْتَرَى سَمْحاً إذَا قَضَى سَمْحاً إذَا اقْتَضَى } وَيَقُولُ النَّاسُ : الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْأَخْذُ وَالْعَطَاءُ . وَالْمَقْصُودُ مِن العُقُودِ : إنَّمَا هُوَ الْقَبْضُ وَالِاسْتِيفَاءُ ؛ فَإِنَّ الْمُعَاقَدَاتِ تُفِيدُ وُجُوبَ الْقَبْضِ أَوْ جَوَازَهُ ؛ بِمَنْزِلَةِ إيجَابِ الشَّارِعِ . ثُمَّ التَّقَابُضُ وَنَحْوُهُ وَفَاءٌ بِالْعُقُودِ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ . وَالْقَبْضُ يَنْقَسِمُ إلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ كَالْعَقْدِ ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالْقَبْضِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَرْجِعُ فِي الْقَبْضِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ النَّاسِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ : فَكَذَلِكَ الْعُقُودُ ، وَإِنْ حُرِّرَتْ عِبَارَتُهُ . قُلْت : أَحَدُ نَوْعَيْ التَّصَرُّفَاتِ ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى عَادَةِ النَّاسِ كَالنَّوْعِ الْآخَرِ . وَمِمَّا يَلْتَحِقُ بِهَذَا : أَنَّ الْإِذْنَ الْعُرْفِيَّ فِي الْإِبَاحَةِ أَوْ التَّمْلِيكِ أَوْ التَّصَرُّفِ بِطَرِيقِ الْوِكَالَةِ : كَالْإِذْنِ اللَّفْظِيِّ . فَكُلُّ وَاحِدٍ مِن الوِكَالَةِ وَالْإِبَاحَةِ يَنْعَقِدُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَالْعِلْمُ بِرِضَى الْمُسْتَحِقِّ يَقُومُ مَقَامَ إظْهَارِهِ لِلرِّضَا . وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مُبَايَعَةُ النَّبِيِّ