ابن تيمية

15

مجموعة الفتاوى

لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً } فَتِلْكَ الْآيَةُ فِي جِنْسِ الْمُعَاوَضَاتِ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي جِنْسِ التَّبَرُّعَاتِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ لَفْظاً مُعَيَّناً وَلَا فِعْلاً مُعَيَّناً يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي وَعَلَى طِيبِ النَّفْسِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ عَادَاتِ النَّاسِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ التَّرَاضِيَ وَطِيبَ النَّفْسِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ . وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ فِي غَالِبِ مَا يَعْتَادُ مِن العُقُودِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي بَعْضِهَا وَإِذَا وُجِدَ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِمَا بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ . وَبَعْضُ النَّاسِ قَدْ يَحْمِلُهُ اللَّدَدُ فِي نَصْرِهِ لِقَوْلِ مُعَيَّنٍ عَلَى أَنْ يَجْحَدَ مَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ مِن التَّرَاضِي وَطِيبِ النَّفْسِ ، فَلَا عِبْرَةَ بِجَحْدِ مِثْلِ هَذَا ؛ فَإِنَّ جَحْدَ الضَّرُورِيَّاتِ قَدْ يَقَعُ كَثِيراً عَنْ مُوَاطَأَةٍ وَتَلْقِينٍ فِي الْأَخْبَارِ وَالْمَذَاهِبِ ، فَالْعِبْرَةُ بِالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي لَمْ يُعَارِضْهَا مَا يُغَيِّرُهَا ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا : إنَّ الْأَخْبَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ يَحْصُلُ بِهَا الْعِلْمُ حَيْثُ لَا تَوَاطُؤَ عَلَى الْكَذِبِ ؛ لِأَنَّ الْفِطَرَ السَّلِيمَةَ لَا تَتَّفِقُ عَلَى الْكَذِبِ . فَأَمَّا مَعَ التَّوَاطُؤِ وَالِاتِّفَاقِ فَقَدْ يَتَّفِقُ جَمَاعَاتٌ عَلَى الْكَذِبِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ جَاءَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مُعَلَّقاً بِهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَكُلُّ اسْمٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَدٍّ ، فَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ حَدُّهُ بِاللُّغَةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِالشَّرْعِ كَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ وَكَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ