ابن تيمية
125
مجموعة الفتاوى
وَلِهَذَا صَارَ يَظْهَرُ أَنَّ أَجْزَاءَ الْأَرْضِ فِي مَعْنَى الْمَنَافِعِ بِخِلَافِ الْحَبِّ وَالنَّوَى الْمُلْقَى فِيهَا ؛ فَإِنَّهُ عَيْنٌ ذَاهِبَةٌ غَيْرُ مُسْتَخْلَفَةٍ وَلَا يُعَوَّضُ عَنْهَا . لَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ هُوَ الْأَصْلَ فَقَطْ ؛ فَإِنَّ الْعَامِلَ هُوَ وَبَقْرَهُ لَا بُدَّ لَهُ مُدَّةَ الْعَمَلِ مِنْ قُوتٍ وَعَلَفٍ يَذْهَبُ أَيْضاً وَرَبُّ الْأَرْضِ لَا يَحْتَاجُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ ؛ وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ لَا يَرْجِعُ إلَى رَبِّهِ كَمَا يُرْجَعُ فِي الْقِرَاضِ وَلَوْ جَرَى عِنْدَهُمْ مَجْرَى الْأُصُولِ لَرَجَعَ . فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : أُصُولٌ بَاقِيَةٌ وَهِيَ الْأَرْضُ وَبَدَنُ الْعَامِلِ وَالْبَقَرُ وَالْحَدِيدُ . وَمَنَافِعُ فَانِيَةٌ . وَأَجْزَاءٌ فَانِيَةٌ أَيْضاً وَهِيَ الْبَذْرُ وَبَعْضُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَبَعْضُ أَجْزَاءِ الْعَامِلِ وَبَقَرُهُ . فَهَذِهِ الْأَجْزَاءُ الْفَانِيَةُ كَالْمَنَافِعِ الْفَانِيَةِ سَوَاءٌ فَتَكُونُ الْخِيَرَةُ إلَيْهِمَا فِيمَنْ يَبْذُلُ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ وَيَشْتَرِكَانِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَا . مَا لَمْ يُفْضِ إلَى بَعْضِ مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْوَاعِ الْغَرَرِ أَوْ الرِّبَا وَأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ . وَلِهَذَا جَوَّزَ أَحْمَد سَائِرَ أَنْوَاعِ الْمُشَارَكَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ مِثْلَ أَنْ يَدْفَعَ دَابَّتَهُ أَوْ سَفِينَتَهُ أَوْ غَيْرَهُمَا إلَى مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا . فَصْلٌ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِن الإِشَارَةِ إلَى حِكْمَةِ بَيْعِ الْغَرَرِ وَمَا يُشْبِهُ