ابن تيمية

111

مجموعة الفتاوى

كَانَ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ : { أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ } مُطْلَقاً فَالتَّعْرِيفُ لِلْكِرَاءِ الْمَعْهُودِ بَيْنَهُمْ . وَإِذَا قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { لَا تكروا الْمَزَارِعَ } " فَإِنَّمَا أَرَادَ الْكِرَاءَ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ كَمَا فَهِمُوهُ مِنْ كَلَامِهِ وَهُمْ أَعْلَمُ بِمَقْصُودِهِ . وَكَمَا جَاءَ مُفَسَّراً عَنْهُ : " أَنَّهُ رَخَّصَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْكِرَاءِ " وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ مَا قَرَنَ بِهِ النَّهْيَ مِن المُزَابَنَةِ وَنَحْوِهَا . وَاللَّفْظُ - وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُطْلَقاً - فَإِنَّهُ إذَا كَانَ خِطَاباً لِمُعَيَّنٍ فِي مِثْلِ الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالٍ أَوْ عَقِبَ حِكَايَةِ حَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ : فَإِنَّهُ كَثِيراً مَا يَكُونُ مُقَيَّداً بِمِثْلِ حَالِ الْمُخَاطَبِ . كَمَا لَوْ قَالَ الْمَرِيضُ لِلطَّبِيبِ : إنَّ بِهِ حَرَارَةً . فَقَالَ لَهُ : لَا تَأْكُلْ الدَّسَمَ . فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ النَّهْيَ مُقَيَّدٌ بِتِلْكَ الْحَالِ . وَذَلِكَ : أَنَّ اللَّفْظَ الْمُطْلَقَ إذَا كَانَ لَهُ مُسَمًّى مَعْهُودٌ أَوْ حَالٌ يَقْتَضِيهِ : انْصَرَفَ إلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً كالمتبايعين إذَا قَالَ أَحَدُهُمَا : بِعْتُك بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَإِنَّهَا مُطْلَقَةٌ فِي اللَّفْظِ ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْمَعْهُودِ مِن الدَّرَاهِمِ . فَإِذَا كَانَ الْمُخَاطَبُونَ لَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ لَفْظَ " الْكِرَاءِ " إلَّا لِذَلِكَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ ثُمَّ خُوطِبُوا بِهِ : لَمْ يَنْصَرِفْ إلَّا إلَى مَا يَعْرِفُونَهُ . وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ الْعُرْفِيِّ كَلَفْظِ " الدَّابَّةِ " إذَا كَانَ مَعْرُوفاً بَيْنَهُمْ أَنَّهُ الْفَرَسُ أَوْ ذَوَاتُ الْحَافِرِ . فَقَالَ : لَا تَأْتِنِي بِدَابَّةِ : لَمْ يَنْصَرِفْ هَذَا الْمُطْلَقُ إلَّا إلَى ذَلِكَ . وَنَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُقَيَّداً