ابن تيمية
103
مجموعة الفتاوى
لِتَجْوِيزِ الْمُزَارَعَةِ دُونَ الْمُضَارَبَةِ أَوْلَى مِن العَكْسِ ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ إذَا حَصَلَ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلَيْنِ كَانَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ حُصُولِهِ مَعَ ذَهَابِ أَحَدِهِمَا . وَإِنْ قِيلَ : الزَّرْعُ نَمَاءُ الْأَرْضِ دُونَ الْبَدَنِ . فَقَدْ يُقَالُ : وَالرِّبْحُ نَمَاءُ الْعَامِلِ دُونَ الدَّرَاهِمِ أَوْ بِالْعَكْسِ . وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ ؛ بَلْ الزَّرْعُ يَحْصُلُ بِمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَمَنْفَعَةِ بَدَنِ الْعَامِلِ وَالْبَقَرِ وَالْحَدِيدِ . ثُمَّ لَوْ سَلِمَ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُضَارَبَةِ فَرْقاً فَلَا رَيْبَ أَنَّهَا بِالْمُضَارَبَةِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْمُؤَاجَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاجَرَةَ الْمَقْصُودُ فِيهَا هُوَ الْعَمَلُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُوماً وَالْأُجْرَةُ مَضْمُونَةٌ فِي الذِّمَّةِ أَوْ عَيْنٌ مُعَيَّنَةٌ . وَهُنَا لَيْسَ الْمَقْصُودُ إلَّا النَّمَاءُ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَمَلِ وَالْأُجْرَةُ لَيْسَتْ عَيْناً وَلَا شَيْئاً فِي الذِّمَّةِ وَإِنَّمَا هِيَ بَعْضُ مَا يَحْصُلُ مِن النَّمَاءِ ؛ وَلِهَذَا مَتَى عُيِّنَ فِيهَا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ فَسَدَ الْعَقْدُ كَمَا تَفْسُدُ الْمُضَارَبَةُ إذَا شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا رِبْحاً مُعَيَّناً أَوْ أُجْرَةً مَعْلُومَةً فِي الذِّمَّةِ . وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الْغَايَةِ . فَإِذَا كَانَتْ بِالْمُضَارَبَةِ أَشْبَهَ مِنْهَا بِالْمُؤَاجَرَةِ جِدّاً وَالْفَرْقُ الَّذِي بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُضَارَبَةِ ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُؤَاجَرَةِ فُرُوقٌ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَكَانَ لَا بُدَّ مِن الحَاقِهَا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ فَإِلْحَاقُهَا بِمَا هِيَ بِهِ أَشْبَهُ أَوْلَى وَهَذَا أَجْلَى مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ فِيهِ إلَى إطْنَابٍ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنْ نَقُولَ : لَفْظُ الْإِجَارَةِ فِيهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ .