ابن تيمية

108

مجموعة الفتاوى

وَأَمَّا أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ أَحَدُهَا : عَشْرُ جَلَدَاتٍ . وَالثَّانِي : دُونَ أَقَلِّ الْحُدُودِ ؛ إمَّا تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطاً ؛ وَإِمَّا تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ سَوْطاً . وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد . وَالثَّالِثُ . أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ بِذَلِكَ . وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ؛ لَكِنْ إنْ كَانَ التَّعْزِيرُ فِيمَا فِيهِ مُقَدَّرٌ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ ذَلِكَ الْمُقَدَّرَ مِثْلَ التَّعْزِيرِ : عَلَى سَرِقَةٍ دُونَ النِّصَابِ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْقَطْعَ وَالتَّعْزِيرِ عَلَى الْمَضْمَضَةِ بِالْخَمْرِ لَا يَبْلُغُ بِهِ حَدَّ الشُّرْبِ وَالتَّعْزِيرِ عَلَى الْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ . وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ ؛ عَلَيْهِ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ ؛ فَقَدَ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَرْبِ الَّذِي أَحَلَّتْ لَهُ امْرَأَتُهُ جَارِيَتَهَا مِائَةً وَدَرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ بِالشُّبْهَةِ } . وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ بِضَرْبِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وُجِدَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مِائَةً مِائَةً . وَأَمَرَ بِضَرْبِ الَّذِي نَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ وَأَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِائَةً . ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِائَةً ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِائَةً . وَضَرَبَ صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ - لَمَّا رَأَى مِنْ بِدْعَتِهِ - ضَرْباً كَثِيراً لَمْ يُعِدْهُ . وَمَنْ لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ مِثْلَ الْمُفَرِّقِ