ابن تيمية

507

مجموعة الفتاوى

الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى وَفِيهَا مَبْعَثُ أَنْبِيَاءَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَإِلَيْهَا هِجْرَةُ إبْرَاهِيمَ وَإِلَيْهَا مَسْرَى نَبِيِّنَا وَمِنْهَا مِعْرَاجُهُ وَبِهَا مُلْكُهُ وَعَمُودُ دِينِهِ وَكِتَابِهِ وَطَائِفَةٌ مَنْصُورَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ ؛ وَإِلَيْهَا الْمَحْشَرُ وَالْمَعَادُ كَمَا أَنَّ مِنْ مَكَّةَ الْمَبْدَأُ . فَمَكَّةُ أُمُّ الْقُرَى مِنْ تَحْتِهَا دُحِيَتْ الْأَرْضُ وَالشَّامُ إلَيْهَا يُحْشَرُ النَّاسُ كَمَا فِي قَوْلِهِ : { لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } نَبَّهَ عَلَى الْحَشْرِ الثَّانِي فَمَكَّةُ مَبْدَأٌ وإيليا مَعَادٌ فِي الْخَلْقِ وَكَذَلِكَ فِي الْأَمْرِ فَإِنَّهُ أُسْرِيَ بِالرَّسُولِ مِنْ مَكَّةَ إلَى إيليا . وَمَبْعَثُهُ وَمَخْرَجُ دِينِهِ مِنْ مَكَّةَ وَكَمَالُ دِينِهِ وَظُهُورُهُ وَتَمَامُهُ حَتَّى مَمْلَكَةِ الْمَهْدِيِّ بِالشَّامِ فَمَكَّةُ هِيَ الْأَوَّلُ وَالشَّامُ هِيَ الْآخِرُ : فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ فِي الْكَلِمَاتِ الْكَوْنِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بِهَا طَائِفَةً مَنْصُورَةً إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَهِيَ الَّتِي ثَبَتَ فِيهَا الْحَدِيثُ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ : { لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ } وَفِيهِمَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : " وَهُمْ فِي الشَّامِ " وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعاً قَالَ : " وَهُمْ بِدِمَشْقَ " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ } قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ : أَهْلُ الْمَغْرِبِ هُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَهُمْ كَمَا قَالَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ فِي سَائِرِ الْحَدِيثِ بَيَانَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّامِ