ابن تيمية
447
مجموعة الفتاوى
بَلَغَتْهُمْ عَنْ الرَّشِيدِ أَنَّهُ أَتَى إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَجَعَلَ يَعْتَذِرُ إلَى مَنْ فِيهِ مِمَّا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ وَبِمِثْلِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ لَا يَقُومُ شَيْءٌ . فَالرَّشِيدُ أَيْضاً لَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ . وَلَعَلَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ إنْ صَحَّتْ عَنْهُ فَقَدْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ لِغَيْرِهِ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ يَقُولُونَ : إنَّ عَلِيّاً إنَّمَا دُفِنَ فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ أَوْ قَرِيباً مِنْهُ . وَهَكَذَا هُوَ السُّنَّةُ ؛ فَإِنَّ حَمْلَ مَيِّتٍ مِن الكُوفَةِ إلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ لَيْسَ فِيهِ فَضِيلَةُ أَمْرٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ ؛ فَلَا يُظَنُّ بِآلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُمْ فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ وَلَا يَظُنُّهُ أَيْضاً أَنَّ ذَلِكَ خَفِيَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ حَتَّى أَظْهَرَهُ قَوْمٌ مِن الأَعَاجِمِ الْجُهَّالِ ذَوِي الْأَهْوَاءِ . وَكَذَلِكَ " قَبْرُ مُعَاوِيَةَ " الَّذِي بِظَاهِرِ دِمَشْقَ قَدْ قِيلَ : إنَّهُ لَيْسَ قَبْرَ مُعَاوِيَةَ وَإِنَّ قَبْرَهُ بِحَائِطِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ " قَبْرُ هُودٍ " . وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ عَامَّةَ أَمْرِ هَذِهِ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ مُضْطَرِبٌ مُخْتَلَقٌ لَا يَكَادُ يُوقَفُ مِنْهُ عَلَى الْعِلْمِ إلَّا فِي قَلِيلٍ مِنْهَا بَعْد بَحْثٍ شَدِيدٍ . وَهَذَا لِأَنَّ مَعْرِفَتَهَا وَبِنَاءَ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا لَيْسَ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَلَا ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الذِّكْرِ الَّذِي تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ حَيْثُ قَالَ : { إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } بَلْ قَدْ نَهَى