ابن تيمية

42

مجموعة الفتاوى

الزَّمَانِ كَانُوا يُسَمُّونَ أَهْلَ نَجْدٍ وَالْعِرَاقِ أَهْلَ الْمَشْرِقِ وَيُسَمُّونَ أَهْلَ الشَّامِ أَهْلَ الْمَغْرِبِ ؛ لِأَنَّ التَّغْرِيبَ وَالتَّشْرِيقَ مِن الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ فَكُلُّ مَكَانٍ لَهُ غَرْبٌ وَشَرْقٌ ؛ فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فَمَا تَغَرَّبَ عَنْهَا فَهُوَ غُرْبَةٌ وَمَا تَشَرَّقَ عَنْهَا فَهُوَ شرقة . وَمَنْ عَلِمَ حِسَابَ الْبِلَادِ - أَطْوَالَهَا وَعُرُوضَهَا - عَلِمَ أَنَّ الْمَعَاقِلَ الَّتِي بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ - كَالْبِيرَةِ وَنَحْوِهَا - هِيَ مُحَاذِيَةٌ لِلْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا أَنَّ مَا شَرَّقَ عَنْهَا بِنَحْوِ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَحَرَّانَ وَمَا سَامَتَهَا مِثْلُ الرَّقَّةِ وسميساط فَإِنَّهُ مُحَاذٍ أُمَّ الْقُرَى مَكَّةَ . شَرَّفَهَا اللَّهُ . وَلِهَذَا كَانَتْ قِبْلَتُهُ هُوَ أَعْدَلَ الْقِبَلِ فَمَا شَرَّقَ عَمَّا حَاذَى الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ فَهُوَ شَرْقُهَا وَمَا يَغْرُبُ ذَلِكَ فَهُوَ غَرْبُهَا . وَفِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا مِثْلُ " مُسْنَدِ أَحْمَد " وَغَيْرِهِ عِدَّةُ آثَارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْأَصْلِ : مِثْلُ وَصْفِهِ أَهْلَ الشَّامِ " بِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ مُنَافِقُوهُمْ مُؤْمِنِيهِمْ " . وَقَوْلِهِ { رَأَيْت كَأَنَّ عَمُودَ الْكِتَابِ - وَفِي رِوَايَةٍ - عَمُودَ الْإِسْلَامِ أُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي فَأَتْبَعْته نَظَرِي فَذُهِبَ بِهِ إلَى الشَّامِ } وَعَمُودُ الْكِتَابِ وَالْإِسْلَامِ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَهُمْ حَمَلَتُهُ الْقَائِمُونَ بِهِ . وَمِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ } وَمِثْلُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ