ابن تيمية

394

مجموعة الفتاوى

تَرْفَعُ دَرَجَةً وَالْأُخْرَى تَحُطُّ خَطِيئَةً . فَلَمْ يُمْكِنْ الشَّيْطَانَ أَنْ يُفَوِّتَهُمْ ذَلِكَ الْأَجْرَ بِأَنْ يَحْمِلَهُمْ فِي الْهَوَاءِ أَوْ يَؤُزَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَزّاً حَتَّى يَقْطَعُوا الْمَسَافَةَ الْبَعِيدَةَ بِسُرْعَةِ . وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَسْرَى بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِن المَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِهِ الْكُبْرَى . وَكَانَ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ . فَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُ مِثْلُ هَذَا الْمِعْرَاجِ وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ يُخَيِّلُ إلَيْهِ مَعَارِيجَ شَيْطَانِيَّةً كَمَا خَيَّلَهَا لِجَمَاعَةِ مِن المُتَأَخِّرِينَ . وَأَمَّا قَطْعُ النَّهْرِ الْكَبِيرِ بِالسَّيْرِ عَلَى الْمَاءِ فَهَذَا قَدْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَحْيَاناً مِثْلُ أَنْ لَا يُمْكِنَهُمْ الْعُبُورُ إلَى الْعَدُوِّ وَتَكْمِيلُ الْجِهَادِ إلَّا بِذَلِكَ . فَلِهَذَا كَانَ اللَّهُ يُكْرِمُ مَنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَمَا أَكْرَمَ بِهِ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَأَصْحَابَهُ وَأَبَا مُسْلِمٍ الخولاني وَأَصْحَابَهُ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ غَيْرُ هَذَا الْكِتَابِ . لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الصَّحَابَةَ خَيْرُ الْقُرُونِ وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ . فَمَا ظَهَرَ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّا يُظَنُّ أَنَّهَا فَضِيلَةٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ فَإِنَّهَا مِن الشَّيْطَانِ وَهِيَ نَقِيصَةٌ لَا فَضِيلَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْ جِنْسِ الْعُلُومِ أَوْ مَنْ جِنْسِ الْعِبَادَاتِ أَوْ مِنْ جِنْسِ الْخَوَارِقِ وَالْآيَاتِ أَوْ مِنْ جِنْسِ السِّيَاسَةِ وَالْمُلْكِ . بَلْ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَهُمْ أَتْبَعُهُمْ لَهُمْ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنّاً