ابن تيمية
359
مجموعة الفتاوى
فَإِنَّ الْعُزَّى كَانَتْ بِبَطْنِ نَخْلَةَ مِنْ نَاحِيَةِ عَرَفَاتٍ . وَمَعْلُومٌ بِالنُّقُولِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْعُزَّى . كَمَا عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ أَهْلَ الطَّائِفِ كَانَ لَهُمْ اللَّاتَ وَمَنَاةُ كَانَتْ حَذْوَ قَدِيدٍ كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يُهِلُّونَ لَهَا كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى مِنْ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ كَانَتْ أَصْنَاماً فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ مِنْ حِجَارَةٍ فَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْكَعْبَة " هُبَلُ " الَّذِي ارْتَجَزَ لَهُ { أَبُو سُفْيَانُ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَالَ : أُعْلُ هُبَلَ أُعْلُ هُبَلَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تُجِيبُوهُ ؟ قَالُوا : وَمَا نَقُولُ ؟ قَالَ قُولُوا : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ } . كَمَا تَقَدَّمَ ذَكَرَهُ . هَذَا وَكَانَ إساف وَنَائِلَةُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَانَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَماً . وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ مُؤَنَّثَةٌ : اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ . وَبِكُلِّ حَالٍ فَقَدْ قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْت : فِينَا بَيْتٌ يَحُجُّهُ الْعَرَبُ وَأَبُو سُفْيَانَ يُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبِقَاعَ الَّتِي يُسَافَرُ إلَيْهَا فَالسَّفَرُ إلَيْهَا حَجٌّ وَالْحَجُّ نُسُكٌ وَهُوَ حَجٌّ إلَى غَيْرِ بَيْتِ اللَّهِ وَنُسُكٌ لِغَيْرِ اللَّهِ كَمَا أَنَّ الدُّعَاءَ لَهَا صَلَاةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { قُلْ إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } { قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } { لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } فَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيَّهُ