ابن تيمية

271

مجموعة الفتاوى

قُلْت : فَمَا صَنَعْتُمْ بِالرَّجُلِ ؟ قَالَ : حَفَرْنَا بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْراً مُتَفَرِّقَةً فَلَمَّا كَانَ بِاللَّيْلِ دَفَنَّاهُ وَسَوَّيْنَا الْقُبُورَ كُلَّهَا لِنُعَمِّيَهُ عَلَى النَّاسِ لَا يَنْبُشُونَهُ . قُلْت : وَمَا يَرْجُونَ فِيهِ ؟ قَالَ : كَانَتْ السَّمَاءُ إذَا حُبِسَتْ عَنْهُمْ بَرَزُوا بِسَرِيرِهِ فَيُمْطَرُونَ . فَقُلْت : مَنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونَ الرَّجُلَ ؟ قَالَ : رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ " دَانْيَالُ " فَقُلْت : مُنْذُ كَمْ وَجَدْتُمُوهُ مَاتَ ؟ قَالَ : مُنْذُ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ . قُلْت مَا كَانَ تَغَيَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ ؟ قَالَ : لَا ؛ إلَّا شُعَيْرَاتٌ مِنْ قَفَاهُ ؛ إنَّ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تُبْلِيهَا الْأَرْضُ وَلَا تَأْكُلُهَا السِّبَاعُ . وَلَمْ تَدَعْ الصَّحَابَةُ فِي الْإِسْلَامِ قَبْراً ظَاهِراً مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ يَفْتَتِنُ بِهِ النَّاسُ ؛ وَلَا يُسَافِرُونَ إلَيْهِ وَلَا يَدْعُونَهُ وَلَا يَتَّخِذُونَهُ مَسْجِداً . بَلْ قَبْرُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَبُوهُ فِي الْحُجْرَةِ وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَغَيْرُهُ مِن القُبُورِ عَفْوُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ؛ إنْ كَانَ النَّاسُ يَفْتَتِنُونَ بِهِ وَإِنْ كَانُوا لَا يَفْتَتِنُونَ بِهِ فَلَا يَضُرُّ مَعْرِفَةُ قَبْرِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ أَتَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ : أَجِبْ رَبَّك فَلَطَمَهُ مُوسَى فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَرَجَعَ الْمَلَكُ إلَى اللَّهِ فَقَالَ : أَرْسَلْتنِي إلَى عَبْدٍ لَك لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي قَالَ : فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ : ارْجِعْ إلَى مُوسَى فَقُلْ لَهُ : الْحَيَاةَ تُرِيدُ ؟ فَإِنْ كُنْت تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَك عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا وَارَتْ يَدَك مِنْ شَعْرِهِ فَإِنَّك تَعِيشُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةً . قَالَ ثُمَّ مَاذَا ؟