ابن تيمية

261

مجموعة الفتاوى

بِالِاعْتِكَافِ : الْعِبَادَةُ وَالصَّلَاةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ . وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِن الإِجْمَاعِ عَلَى تَفْضِيلِ قَبْرٍ مِن القُبُورِ عَلَى الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا . فَقَوْلٌ مُحْدَثٌ فِي الْإِسْلَامِ ؛ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِن السَّلَفِ وَلَكِنْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَخَذَهُ عَنْهُ آخَرُ وَظَنَّهُ إجْمَاعاً ؛ لِكَوْنِ أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْفُسِهَا أَفْضَلَ مِن المَسَاجِدِ . فَقَوْلُهُمْ يَعُمُّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ فَأَبْدَانُهُمْ أَفْضَلُ مَنْ كُلِّ تُرَابٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا يَلْزَمُ مَنْ كَوْنِ أَبْدَانِهِمْ أَفْضَلَ أَنْ تَكُونَ مَسَاكِنُهُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً أَفْضَلَ ؛ بَلْ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِمْ أَنَّ مَسَاجِدَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ . وَقَدْ يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بِمَا رُوِيَ مِنْ : { أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُذَرُّ عَلَيْهِ مِنْ تُرَابِ حُفْرَتِهِ } فَيَكُونُ قَدْ خُلِقَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ . وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ وَمَا رُوِيَ فِيهِ كُلُّهُ ضَعِيفٌ وَالْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُعْلَمُ قَطْعاً أَنَّهُ لَمْ يُذَرَّ عَلَيْهِ تُرَابٌ وَلَكِنَّ آدَمَ نَفْسَهُ هُوَ الَّذِي خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ خُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ التُّرَابَ لَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ لِشَخْصِ وَبَعْضُهُ لِشَخْصِ آخَرَ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَحَالَ وَصَارَ بَدَناً حَيّاً لَمَا نُفِخَ فِي آدَمَ الرُّوحُ فَلَمْ يَبْقَ تُرَاباً . وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ .