ابن تيمية

250

مجموعة الفتاوى

مُوسَى وَغَارِ حِرَاءَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْوَحْيُ ابْتِدَاءً عَلَى الرَّسُولِ وَغَارِ ثَوْرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ : { إذْ هُمَا فِي الْغَارِ } وَمَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ مِن المَغَارَاتِ وَالْجِبَالِ : كَالسَّفَرِ إلَى جَبَلِ لُبْنَانَ وَمَغَارَةِ الدَّمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَإِنَّ كَثِيراً مِن النَّاسِ يُسَافِرُ إلَى مَا يَعْتَقِدُ فَضْلَهُ مِن الجِبَالِ وَالْغِيرَانِ . فَإِذَا كَانَ الطُّورُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى وَسَمَّاهُ الْبُقْعَةَ الْمُبَارَكَةَ وَالْوَادِيَ الْمُقَدَّسَ لَا يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَيْهِ فَغَيْرُ ذَلِكَ مِن الجِبَالِ أَوْلَى أَنْ لَا يُسَافَرَ إلَيْهِ . وَقَوْلِي بِالْإِجْمَاعِ . أَعْنِي بِهِ إجْمَاعَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي بَصْرَةَ وَغَيْرِهِمْ فَهِمُوا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ } أَنَّ الطُّورَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى وَسَمَّاهُ بالواد الْمُقَدَّسِ وَالْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ دَاخِلٌ فِي النَّهْيِ وَنَهَوْا النَّاسَ عَنْ السَّفَرِ إلَيْهِ وَلَمْ يَخُصُّوا النَّهْيَ بِالْمَسَاجِدِ . وَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ ذَلِكَ بِالنَّذْرِ وَمَا عَلِمْت فِي هَذَا نِزَاعاً قَدِيماً وَلَا رَأَيْت أَحَداً صَرَّحَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ؛ إلَّا ابْنَ حَزْمٍ الظَّاهِرِيَّ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ إذَا نَذَرَهُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَإِذَا نَذَرَ السَّفَرَ إلَى أَثَرٍ مِنْ آثَارِ الْأَنْبِيَاءِ أَوْجَبَ الْوَفَاءَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَتَنْبِيهِهِ وَهَذَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ دَاوُد فَلَا يَجْعَلُ قَوْلَهُ : { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } دَلِيلاً عَلَى النَّهْيِ عَنْ السَّبِّ وَالشَّتْمِ