ابن تيمية
105
مجموعة الفتاوى
يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ } . وَقَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ حُقُوقَهُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إلَّا لَهُ وَحُقُوقَ رُسُلِهِ وَحُقُوقَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَمَا بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } فَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَالْخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ } فَالْإِيتَاءُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَالرَّغْبَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } لِأَنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَمَّا الحسب فَهُوَ لِلَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ : { وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ } وَلَمْ يَقُلْ : حَسْبُنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } أَيْ يَكْفِيك اللَّهُ وَيَكْفِي مَنْ اتَّبَعَك مِن المُؤْمِنِينَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ .