ابن تيمية
145
مجموعة الفتاوى
يَقَعُ فِي أَوَّلِهَا لَمَا كَانَتْ مِيقَاتاً إلَّا لِأَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ عُشْرِ أُمُورِ النَّاسِ . وَلِأَنَّ الشَّهْرَ إذَا كَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ : فَمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ مِثْلُ مَا بَيْنَ نِصْفِ هَذَا وَنِصْفِ هَذَا سَوَاءٌ وَالتَّسْوِيَةُ مَعْلُومَةٌ بِالِاضْطِرَارِ . وَالْفَرْقُ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ . وَأَيْضاً فَمَنْ الَّذِي جَعَلَ الشَّهْرَ الْعَدَدِيَّ ثَلَاثِينَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَّسَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ } وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ نِصْفَ شُهُورِ السَّنَةِ يَكُونُ ثَلَاثِينَ وَنِصْفَهَا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَأَيْضاً فَعَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ إذَا أَجَّلَ الْحَقَّ إلَى سَنَةٍ . فَإِنْ كَانَ مَبْدَؤُهُ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ كَانَ مُنْتَهَاهُ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ سَلْخَ ذِي الْحِجَّةِ عِنْدَهُمْ . وَإِنْ كَانَ مَبْدَؤُهُ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ كَانَ مُنْتَهَاهُ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ أَيْضاً . لَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ غَيْرَ ذَلِكَ ؛ وَلَا يَبْنُونَ إلَّا عَلَيْهِ وَمَنْ أَخَذَ لِيَزِيدَ يَوْماً لِنُقْصَانِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ كَانَ قَدْ غَيَّرَ عَلَيْهِمْ مَا فُطِرُوا عَلَيْهِ مِن المَعْرُوفِ وَأَتَاهُمْ بِمُنْكَرِ لَا يَعْرِفُونَهُ . فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ مِن الفُقَهَاءِ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ لِيُحْذَرَ الْوُقُوعُ فِيهِ وَلِيُعْلَمَ بِهِ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ : { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } وَأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَحْفُوظٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ .