ابن تيمية
52
مجموعة الفتاوى
وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ رِوَايَةً عَنْهُ أَنَّ الشَّفَقَ فِي الْحَضَرِ الْأَبْيَضِ وَفِي السَّفَرِ الْأَحْمَرِ . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ حَقِيقَتُهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا فَلَمْ يَقُلْ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ : أَنَّ الشَّفَقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ . وَأَحْمَد قَدْ عَلَّلَ الْفَرْقَ . فَلَوْ حُكِيَ عَنْهُ لَفْظٌ مُجْمَلٌ كَانَ الْمُفَسَّرُ مِن كَلَامِهِ يُبَيِّنُهُ . وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ رِوَايَةً عَنْهُ أَنَّ الشَّفَقَ مُطْلَقُ الْبَيَاضِ . وَمَا أَظُنُّ هَذَا إلَّا غَلَطاً عَلَيْهِ . وَإِذَا كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّ أَوَّلَ الشَّفَقِ إذَا غَابَ فِي السَّفَرِ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ - وَهُوَ يُجَوِّزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ - عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ مَغِيبِهَا لَا بَعْدَ مَغِيبِ الْأَحْمَرِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِجَوَازِ الْجَمْعِ . الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ مِن كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ عِنْدَهُ هُوَ الْجَمْعُ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى كَالْجَمْعِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِن مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ إذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَالْعِشَاءَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ - حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ - جَازَ ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ أَيْضاً عَلَى نَظِيرِ هَذَا فَقَالَ : إذَا صَلَّى إحْدَى صَلَاتَيْ الْجَمْعِ فِي بَيْتِهِ وَالْأُخْرَى فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ . وَهَذَا نَصٌّ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ هُوَ جَمْعٌ فِي الْوَقْتِ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُوَاصَلَةُ وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى قُرْبِ الْفَصْلِ وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ