ابن تيمية

47

مجموعة الفتاوى

بَرِيداً وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ سَفَرِ أَهْلِ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ وَبَيْنَ سَفَرِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ إلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِن بِلَادِهِمْ وَاَللَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا لِمُسَافِرِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسَافِرِينَ وَالْمُقِيمُ إذَا اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعاً كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ مَكَّةَ فِي مَكَّةَ { أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ } وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِن الْعُلَمَاءِ وَلَكِنْ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ نِزَاعٌ . الدَّلِيلُ الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ : تَارَةً يُقَدِّرُ . وَتَارَةً يُطْلِقُ . وَأَقَلُّ مَا رُوِيَ فِي التَّقْدِيرِ بَرِيدٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبَرِيدَ يَكُونُ سَفَراً . كَمَا أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ تَكُونُ سَفَراً وَالْيَوْمَيْنِ تَكُونُ سَفَراً وَالْيَوْمَ يَكُونُ سَفَراً . هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَيْسَ لَهَا مَفْهُومٌ ؛ بَلْ نَهَى عَنْ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا . الدَّلِيلُ الثَّالِثُ : أَنَّ السَّفَرَ لَمْ يَحُدَّهُ الشَّارِعُ وَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ فَرَجَعَ فِيهِ إلَى مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ وَيَعْتَادُونَهُ فَمَا كَانَ عِنْدَهُمْ سَفَراً فَهُوَ سَفَرٌ وَالْمُسَافِرُ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى مَقْصِدِهِ وَيَعُودَ إلَى وَطَنِهِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ مَرْحَلَةٌ يَذْهَبُ فِي نِصْفِهَا وَيَرْجِعُ فِي نِصْفِهَا وَهَذَا هُوَ الْبَرِيدُ وَقَدْ حَدُّوا بِهَذِهِ الْمَسَافَةِ " الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ " وَ " كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي " وَ " الْعَدْوَ عَلَى الْخَصْمِ " وَ " الْحَضَانَةَ " وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ . وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد . فَلَوْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ