ابن تيمية

102

مجموعة الفتاوى

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ وَرُوِيَ عَنْهُ : { أَنَّهُ مَا زَالَ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا } . وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ مِن هَؤُلَاءِ مَنْ اسْتَحَبَّهُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ لَمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ فِيهِنَّ وَجَاءَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَالظُّهْرِ . لَكِنْ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّهُ قَنَتَ قُنُوتاً رَاتِباً بِدُعَاءِ مَعْرُوفٍ . فَاسْتَحَبُّوا أَنْ يَدْعُوَ فِيهِ بِقُنُوتِ الْوِتْرِ الَّذِي عَلَّمَهُ . النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ : { اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت } " إلَى آخِرِهِ . وَتَوَسَّطَ آخَرُونَ مِن فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَقَالُوا : قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ لِلنَّوَازِلِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِ مِن الْعَدُوِّ فِي قَتْلِ أَصْحَابِهِ أَوْ حَبْسِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَإِنَّهُ قَنَتَ مُسْتَنْصِراً كَمَا اسْتَسْقَى حِينَ الْجَدْبِ فَاسْتِنْصَارُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَاسْتِرْزَاقِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إذْ بِالنَّصْرِ وَالرِّزْقِ قِوَامُ أَمْرِ النَّاسِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِن جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِن خَوْفٍ } وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ؟ بِدُعَائِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِمْ } " وَكَمَا قَالَ فِي صِفَةِ الْأَبْدَالِ : { بِهِمْ تُرْزَقُونَ وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ } " وَكَمَا ذَكَرَ اللَّهُ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ وَبَيَّنَ أَنَّهُمَا بِيَدِهِ . سُبْحَانَهُ . فِي قَوْلِهِ : { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الْكَافِرُونَ إلَّا فِي غُرُورٍ } { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } ثُمَّ تَرَكَ الْقُنُوتَ وَجَاءَ مُفَسَّراً أَنَّهُ تَرَكَهُ لِزَوَالِ ذَلِكَ السَّبَبِ .