ابن تيمية
15
مجموعة الفتاوى
وَفِي ضَمَانِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي اسْتَحَلَّهَا بِتَأْوِيلِ ، كَمَا اسْتَحَلَّ أُسَامَةُ قَتْلَ الَّذِي قَتَلَهُ بَعْدَمَا قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَكَذَلِكَ لَا يُعَاقَبُ عَلَى مَا مَضَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَجْرٌ عَنْ الْمُسْتَقْبِلِ . وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ لِلدَّفْعِ عَنْ الْمُسْتَقْبِلِ : كَقِتَالِ الْبَاغِي ، وَجَلْدِ الشَّارِبِ فَهَذِهِ مَقْصُودُهَا أَدَاءُ الْوَاجِبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَدَفْعُ الْمُحَرَّمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَهَذَا لَا كَلَامَ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يُشْرَعُ فِي مِثْلِ هَذَا عُقُوبَةُ الْمُتَأَوِّلِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ . وَإِنَّمَا الْغَرَضُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي مِن قَضَاءِ وَاجِبِهِ ، وَتَرْكِ الْحُقُوقِ الَّتِي حَصَلَتْ فِيهِ ، وَالْعُقُوبَةِ عَلَى مَا فَعَلَهُ ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ مِن الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ ، وَالْعِبَادَاتِ هِيَ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ الْمُتَأَوِّلُ أَحْسَنَ حَالاً فِيهَا مِن الْكَافِرِ الْمُتَأَوِّلِ ، وَأَوْلَى . فَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا ، وَالْمُسْلِمُ الْمُتَأَوِّلُ مَعْذُورٌ ، وَمَعَهُ الْإِسْلَامُ الَّذِي تُغْفَرُ مَعَهُ الْخَطَايَا ، وَالتَّوْبَةُ الَّتِي تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا ، وَفِي إيجَابِ الْقَضَاءِ وَإِسْقَاطِ الْحُقُوقِ وَإِقَامَةِ الْعُقُوبَاتِ تَنْفِيرٌ عَنْ التَّوْبَةِ ، وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ أَكْثَرُ مِن التَّنْفِيرِ بِذَلِكَ لِلْكَافِرِ ، فَإِنَّ إعْلَامَ الْإِسْلَامِ وَدَلَالَتَهُ أَعْظَمُ مِن إعْلَامِ هَذِهِ الْفُرُوعِ ، وَأَدِلَّتِهَا ، وَالدَّاعِي إلَى الْإِسْلَامِ مِن سُلْطَانِ الْحُجَّةِ وَالْقُدْرَةِ قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِن الدَّاعِي إلَى هَذِهِ الْفُرُوعِ .