ابن تيمية
58
مجموعة الفتاوى
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَقُولَ : هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ هُنَا مُنْتَفِيَةٌ ؛ أَوْ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا وَالِالْتِفَاتُ إلَيْهَا حَرَجٌ لَيْسَ مِن الدِّينِ وَوَسْوَسَةٌ يَأْتِي بِهَا الشَّيْطَانُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الطَّاسَاتِ وَغَيْرَهَا مِن الآنِيَةِ الَّتِي يَدْخُلُ بِهَا النَّاسُ الْحَمَّامَاتِ : طَاهِرَةٌ فِي الْأَصْلِ وَاحْتِمَالُ نَجَاسَتِهَا أَضْعَفُ مِنْ احْتِمَالِ نَجَاسَةِ الْأَوْعِيَةِ الَّتِي فِي حَوَانِيتِ الْبَاعَةِ فَإِذَا كَانَتْ آنِيَةُ الْأَدْهَانِ وَالْأَلْبَانِ وَالْخُلُولِ وَالْعَجِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن المَائِعَاتِ وَالْجَامِدَاتِ وَالرَّطْبَةِ : مَحْكُوماً بِطَهَارَتِهَا ؛ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ فِيهَا إلَى هَذَا الْوَسْوَاسِ : فَكَيْفَ بِطَاسَاتِ النَّاسِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّهَا تَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ : فَنَعَمْ . وَمَا عِنْدَ الْحِيَاضِ مِن الأَرْضِ طَاهِرٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ مِن المِيَاهِ وَالسِّدْرِ والخطمي وَالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ : طَاهِرٌ وَأَبْدَانُ الْجُنُبِ مِن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ طَاهِرَةٌ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ { أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ ؛ قَالَ : فَانْخَنَسْت مِنْهُ ؛ فَاغْتَسَلْت ثُمَّ أَتَيْته فَقَالَ : أَيْنَ كُنْت ؟ فَقُلْت : إنِّي كُنْت جُنُباً ؛ فَكَرِهْت أَنْ أُجَالِسَك وَأَنَا جُنُبٌ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ } . وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ : أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ وَالثَّوْبَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهُ طَاهِرٌ ؛ وَلَوْ سَقَطَ الْجُنُبُ