ابن تيمية

108

مجموعة الفتاوى

مِنْ نُبُوَّةِ مُوسَى وَالْإِيمَانِ بِالتَّوْرَاةِ بَلْ هُمْ فِي ذَلِكَ مُهْتَدُونَ وَهُوَ رَأْسُ هُدَاهُمْ وَإِنَّمَا أُتُوا مِنْ جِهَةِ مَا لَمْ يُقِرُّوا بِهِ مِنْ رِسَالَةِ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ } غَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِالْمَسِيحِ وَغَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ . وَكَذَلِكَ النَّصَارَى لَمْ يُؤْتُوا مِنْ جِهَةِ مَا أَقَرُّوا بِهِ مِن الإِيمَانِ بِأَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ وَالْمَسِيحِ وَإِنَّمَا أُتُوا مِنْ جِهَةِ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا مَا وَقَعُوا فِيهِ مِن التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ الَّذِي كَفَرُوا فِيهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ فَهُوَ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ اتِّبَاعِهِمْ لِنُصُوصِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الْمُحْكَمَةِ الَّتِي تَأْمُرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتُبَيِّنُ عُبُودِيَّةَ الْمَسِيحِ وَأَنَّهُ عَبْدٌ لِلَّهِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : { مَا قُلْتُ لَهُمْ إلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } فَلَمَّا تَرَكُوا اتِّبَاعَ هَذِهِ النُّصُوصِ إيمَاناً وَعَمَلاً وَعِنْدَهُمْ رَغْبَةٌ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّأَلُّهِ ابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ وَغَلَوْا فِي الْمَسِيحِ هَوًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ وَتَمَسَّكُوا بِمُتَشَابِهِ مِن الكَلِمَاتِ لِظَنِّ ظَنُّوهُ فِيهَا وَهَوًى اتَّبَعُوهُ خَرَجَ بِهِمْ عَنْ الْحَقِّ فَهُمْ { إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } وَلِهَذَا كَانَ سِيمَاهُمْ الضَّلَالَ كَمَا قَالَ تَعَالَى :