ابن تيمية

101

مجموعة الفتاوى

النَّقْضِ لَمْ يَبْقَ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ عِنْدَهُ بِلَا مُمَاثَلَةٍ إلَّا الزِّنَا وَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْعُدْوَانِ أَيْضاً وَوُقُوعُ الْقَتْلِ بِهِ نَادِرٌ ؛ لِخَفَائِهِ وَصُعُوبَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ . الثَّالِثُ : أَنَّ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لَا تَدُلُّ عَلَى كِبَرِ الذَّنْبِ وَصِغَرِهِ ؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ دَارَ الْجَزَاءِ وَإِنَّمَا دَارُ الْجَزَاءِ هِيَ الْآخِرَةُ وَلَكِنْ شُرِعَ مِن العُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا مَا يَمْنَعُ الْفَسَادَ وَالْعُدْوَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً } وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } . فَهَذَانِ السَّبَبَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَتْهُمَا الْمَلَائِكَةُ هُمَا اللَّذَانِ كَتَبَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ الْقَتْلَ بِهِمَا ؛ وَلِهَذَا يُقِرُّ كُفَّارُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ مَعَ أَنَّ ذَنْبَهُمْ فِي تَرْكِ الْإِيمَانِ أَعْظَمُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَنْبِ مَنْ نَقْتُلُهُ مِنْ زَانٍ وَقَاتِلٍ . فَأَبُو حَنِيفَةَ رَأَى أَنَّ الْكُفْرَ مُطْلَقاً إنَّمَا يُقَاتَلُ صَاحِبُهُ لِمُحَارَبَتِهِ فَمَنْ لَا حِرَابَ فِيهِ لَا يُقَاتَلُ وَلِهَذَا يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْعَرَبِ وَإِنْ كَانُوا وَثَنِيِّينَ . وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَمَعَ هَذَا يَجُوزُ الْقَتْلُ تَعْزِيراً وَسِيَاسَةً فِي مَوَاضِعَ .