ابن تيمية

7

مجموعة الفتاوى

إلَى مَا حُدِّثَ بِهِ عَنْهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ : مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ ؛ فَإِنَّ سُنَّتَهُ ثَبَتَتْ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ . فَمَا قَالَهُ إنْ كَانَ خَبَراً وَجَبَ تَصْدِيقُهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ تَشْرِيعاً إيجَاباً أَوْ تَحْرِيماً أَوْ إبَاحَةً وَجَبَ اتِّبَاعُهُ فِيهِ ؛ فَإِنَّ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُمْ إلَّا حَقّاً وَهَذَا مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَهُوَ يَتَضَمَّنُ أَنَّ اللَّهَ يُنَبِّئُهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّهُ يُنَبِّئُ النَّاسَ بِالْغَيْبِ وَالرَّسُولُ مَأْمُورٌ بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ وَتَبْلِيغِهِمْ رِسَالَاتِ رَبِّهِ . وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ رَسُولٍ نَبِيّاً وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسُولاً وَإِنْ كَانَ قَدْ يُوصَفُ بِالْإِرْسَالِ الْمُقَيَّدِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ فِيمَا بَلَغَهُ بَاطِلٌ سَوَاءٌ قِيلَ : إنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ هَذَا الْإِلْقَاءِ مَا يَنْسَخُهُ اللَّهُ أَوْ قِيلَ : إنَّهُ جَرَى مَا يَنْسَخُهُ اللَّهُ فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ قَدْ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ وَأَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ فَهُوَ حَقٌّ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ { عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَكْتُبُ مَا سَمِعَ مِن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ فَلَا تَكْتُبُ كُلَّمَا تَسْمَعُ فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ