ابن تيمية
99
مجموعة الفتاوى
وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ . وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ لِحِكْمَتِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : { بِالْحَقِّ } وَقَدْ ذَمَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ بَاطِلاً وَعَبَثاً فَقَالَ : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } وَقَالَ : { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } وَقَالَ : { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } فَلَا بُدَّ مِنْ جَزَاءِ الْعِبَادِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فَلِهَذَا قِيلَ : { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } . وَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي كُلِّ مَا يَخْلُقُهُ حِكْمَةٌ يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَأَتْقَنَ كُلَّ مَا صَنَعَ فَمَا وَقَعَ مِن الشَّرِّ الْمَوْجُودِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ فَقَدْ وُجِدَ لِأَجْلِ تِلْكَ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ الْمَحْبُوبَةِ الْمَرْضِيَّةِ فَهُوَ مِن اللَّهِ حَسَنٌ جَمِيلٌ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ كَانَ شَرّاً بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ . وَهَذَا مَوْضُوعٌ عَظِيمٌ قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ النَّاسَ - فِي بَابِ خَلْقِ الرَّبِّ وَأَمْرِهِ وَلِمَ فَعَلَ ذَلِكَ - عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَسَطٍ : فَالْقَدَرِيَّةُ مِن المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ قَصَدُوا تَعْظِيمَ الرَّبِّ وَتَنْزِيهَهُ عَمَّا ظَنُّوهُ قَبِيحاً مِن الأَفْعَالِ وَظُلْماً ؛ فَأَنْكَرُوا عُمُومَ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ خَالِقاً