ابن تيمية
97
مجموعة الفتاوى
تَعَالَى : { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } قَالَ عَلْقَمَةُ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - : هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ : فَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِالتَّقْوَى وَالصَّبْرِ فَالتَّقْوَى فِعْلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَمِن الصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلَى مَا أَصَابَهُ وَهَذَا هُوَ صَاحِبُ الْعَاقِبَةِ الْمَحْمُودَةِ كَمَا قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } وَقَالَ : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } وَقَالَ : { بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ } . وَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَيُبْتَلَى بِمَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى الصَّبْرِ فَلِهَذَا يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ كَمَا قِيلَ لِأَفْضَلِ الْخَلْقِ : { فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى مُنَاظَرَةِ آدَمَ وَمُوسَى ؛ فَإِنَّ كَثِيراً مِن النَّاسِ حَمَلُوهَا عَلَى مُحَامِلَ مُخَالَفَةٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَذَّبَ بِالْحَدِيثِ لِعَدَمِ فَهْمِهِ لَهُ وَالْحَدِيثُ حَقٌّ يُوجِبُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا جَرَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَةٌ بِفِعْلِ غَيْرِهِ مِثْلَ أَبِيهِ أَوْ غَيْرِ أَبِيهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ أَبُوهُ قَدْ تَابَ مِنْهَا فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَبِعَةٌ كَمَا جَرَى لِآدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى : { وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى } { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى }