ابن تيمية
87
مجموعة الفتاوى
جَمِيعُ مَعَانِي الْكَلَامِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ الْقُرْآنُ الْقَدِيمُ هُوَ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ وَهِيَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِ الرَّبِّ أَزَلاً وَأَبَداً وَهِيَ مُتَعَاقِبَةٌ فِي ذَاتِهَا وَمَاهِيَّتِهَا لَا فِي وُجُودِهَا ؛ فَإِنَّ الْقَدِيمَ لَا يَكُونُ بَعْضُهُ مُتَقَدِّماً عَلَى بَعْضٍ فَفَرَّقُوا بَيْنَ ذَاتِ الْكَلَامِ وَبَيْنَ وُجُودِهِ وَجَعَلُوا التَّعَاقُبَ فِي ذَاتِهِ لَا فِي وُجُودِهِ كَمَا يُفَرِّقُ بَيْنَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ بِأَعْيَانِهَا وَمَاهِيَّاتِهَا مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ مِن المُعْتَزِلَةِ والمتفلسفة وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ تَقُولُ : إنَّهُ إذَا كَلَّمَ مُوسَى أَوْ الْمَلَائِكَةَ أَوْ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُ بِكَلَامِ يَتَكَلَّمُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ حِينَ يُكَلِّمُهُ وَلَكِنْ يَخْلُقُ لَهُ إدْرَاكاً يُدْرِكُ ذَلِكَ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ اللَّازِمَ لِذَاتِ اللَّهِ أَزَلاً وَأَبَداً . وَعِنْدَهُمْ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَقُولُ : { يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ } وَ : { يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ } و { يَا إبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } وَنَحْوَ ذَلِكَ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَغَيْرِهَا فِي مَوَاضِعَ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقُلَ وَاحِداً مِنْهُمَا عَنْ أَحَدٍ مِن السَّلَفِ : أَعْنِي الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ الَّذِينَ لَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ فِي زَمَنِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَلَا زَمَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا قَبْلَهُمْ . وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ هَذَا الْأَصْلَ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ وَعَرَفَ أَنَّ الْحُرُوفَ مُتَعَاقِبَةٌ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةَ الْأَعْيَانِ فَإِنَّ الْمُتَأَخِّرَ