ابن تيمية

83

مجموعة الفتاوى

لِأَنَّ الرَّسُولَ يَدُلُّ عَلَى الْمُرْسَلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ رَسُولٍ بَلَّغَهُ عَنْ مُرْسَلٍ . لَمْ يَقُلْ : إنَّهُ لَقَوْلُ مَلَكٍ وَلَا بَشَرٍ بَلْ كَفَرَ مَنْ جَعَلَهُ قَوْلَ بَشَرٍ بِقَوْلِهِ : { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } { وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً } { وَبَنِينَ شُهُوداً } { وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً } { ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } { كَلَّا إنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً } { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } { إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ } { فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } { ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } { ثُمَّ نَظَرَ } { ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ } { ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ } { فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ } { إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } فَمِنْ قَالَ إنَّهُ قَوْلُ بِشَرِّ أَوْ قَوْلُ مَخْلُوقٍ غَيْرِ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ جَعَلَهُ قَوْلَ رَسُولٍ مِن البَشَرِ فَقَدْ صَدَقَ ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ لَهُ فِيهِ إلَّا التَّبْلِيغُ وَالْأَدَاءُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ وَيَقُولُ : أَلَا رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي ؟ فَإِنَّ قُرَيْشاً قَدّ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي } . وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ : مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ . قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ : " مِنْهُ بَدَأَ " أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ لَمْ يَبْتَدِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قَالَتْ الْجَهْمِيَّة الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ قَالُوا : خَلْقُهُ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَخْلُوقِ وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ كَلَاماً لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَخْلُوقِ لَا لِلَّهِ