ابن تيمية
68
مجموعة الفتاوى
فِي أَنْوَاعِ الْكَلَامِ بَلْ وَفِي الْكَلَامِ الْوَاحِدِ يَتَفَاضَلُ مَا يَقُومُ بِقَلْبِهِ مِن المَعَانِي وَمَا يَقُومُ بِلِسَانِهِ مِن الأَلْفَاظِ بِحَيْثُ قَدْ يَكُونُ إذَا كَانَ طَالِباً هُوَ أَشَدُّ رَغْبَةً وَمَحَبَّةً وَطَلَباً لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ لِلْآخَرِ وَيَكُونُ صَوْتُهُ بِهِ أَقْوَى وَلَفْظُهُ بِهِ أَفْصَحَ وَحَالُهُ فِي الطَّلَبِ أَقْوَى وَأَشَدُّ تَأْثِيراً ؛ وَلِهَذَا يَكُونُ لِلْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ مِن المَوْعِظَةِ بَلْ لِلْآيَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا سُمِعَتْ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْ ظُهُورِ التَّفَاضُلِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى تَمْثِيلٍ . وَكَذَلِكَ فِي الْخَبَرِ قَدْ يَقُومُ بِقَلْبِهِ مِن المَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ وَتَصَوُّرِ الْمَعْلُومِ وَشُهُودِ الْقَلْبِ إيَّاهُ بِاللِّسَانِ مِنْ حُسْنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ لَفْظاً وَصَوْتاً مَا لَا يُقَارِبُهُ مَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ إذَا أَخْبَرَ عَنْ غَيْرِهِ . فَهَذَا نَوْعُ إشَارَةٍ إلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى بَعْضٍ مُوَافِقاً لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَكَلَامُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةُ . وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ تَقُولُ : إنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُفَضَّلُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ لِهَؤُلَاءِ فِي تَأْوِيلِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي التَّفْضِيلِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ التَّفَاضُلُ فِي مُتَعَلَّقِهِ مِثْلَ كَوْنِ بَعْضِهِ أَنْفَعَ لِلنَّاسِ مِنْ بَعْضٍ لِكَوْنِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ أَوْ الْعَمَلِ بِهِ أَخَفَّ مَعَ التَّمَاثُلِ فِي الْأَجْرِ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ : { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا } أَيْ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ لَا أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا خَيْرٌ مِنْ تِلْكَ . وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن المُفَسِّرِينَ كَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطبري قَالَ . نَأْتِ بِحُكْمِ خَيْرٍ لَكُمْ مِنْ حُكْمِ الْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ : إمَّا فِي الْعَاجِلِ لِخِفَّتِهِ