ابن تيمية
33
مجموعة الفتاوى
وَنُحَدِّثُك أَحْسَنَ الْحَدِيثِ . وَلَفْظُ " الْكَلَامِ " يُرَادُ بِهِ مَصْدَرُ كَلَّمَهُ تَكْلِيماً وَيُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْقَوْلِ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهِ فِعْلٌ مِن القَائِلِ هُوَ مُسَمَّى الْمَصْدَرِ وَالْقَوْلُ يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَلِهَذَا تَارَةً يَجْعَلُ الْقَوْلَ نَوْعاً مِن الفِعْلِ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِعَمَلِ وَتَارَةً يُجْعَلُ قَسِيماً لَهُ يُقَالُ : الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَالُ فِي لَفْظِ " الْقَصَصِ " وَ " الْبَيَانِ " وَ " الْحَدِيثِ " وَ " الْخَبَرِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَإِذَا أُرِيدَ بِالْقِصَصِ وَنَحْوِهِ الْمَصْدَرُ الَّذِي مُسَمَّاهُ الْفِعْلُ فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْقَوْلِ وَالْقَوْلُ تَابِعٌ وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الْكَلَامِ وَالْقَوْلُ فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْفِعْلِ تَابِعٌ لِلْفِعْلِ . فَالْمَصَادِرُ الْجَارِيَةُ عَلَى سُنَنِ الْأَفْعَالِ يُرَادُ بِهَا الْفِعْلُ كَقَوْلِك كَلَّمْته تَكْلِيماً وَأَخْبَرْته إخْبَاراً وَأَمَّا مَا لَمْ يَجْرِ عَلَى سُنَنِ الْفِعْلِ - مِثْلَ الْكَلَامِ وَالْخَبَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنَّ هَذَا إذَا أُطْلِقَ أُرِيدَ بِهِ الْقَوْلُ وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَالُ فِي لَفْظِ الْقَصَصِ فَإِنَّ مَصْدَرَهُ الْقِيَاسِيَّ قَصّاً مِثْلَ عَدَّهُ عَدّاً وَمَدَّهُ مَدّاً وَكَذَلِكَ قَصَّهُ قَصّاً وَأَمَّا قَصَّصَ فَلَيْسَ هُوَ قِيَاسُ مَصْدَرِ الْمُضَعَّفِ وَلَمْ يَذْكُرُوا عَلَى كَوْنِهِ مَصْدَراً إلَّا قَوْلَهُ { فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً } وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ . بَلْ قَدْ يَكُونُ اسْمَ مَصْدَرٍ أُقِيمَ مَقَامَهُ كَقَوْلِهِ : { وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً } وَإِنْ جُعِلَ مَصْدَرَ قَصَّ الْأَثَرَ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ قَصَّ الْحَدِيثَ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرٌ وَنَبَأٌ فَكَانَ لَفْظُ قَصَصٍ كَلَفْظِ خَبَرٍ وَنَبَأٍ وَكَلَامٍ .