ابن تيمية
28
مجموعة الفتاوى
يَرَ هَذَا نِعْمَةً فَيَكُونُ تَسْلِيمُهُ تَسْلِيمَ رَاضٍ غَيْرَ شَاكِرٍ . وَقَدْ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَهُ لِلَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لَأَنْ يُعْبَدَ لِذَاتِهِ وَهُوَ مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ فَإِنَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ رَحِيمٌ لَا يَفْعَلُ شَيْئاً إلَّا لِحِكْمَةِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِمَحَبَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَحَمْدِهِ عَلَى كُلِّ مَا خَلَقَهُ . فَهَذَا تَسْلِيمُ عَبْدٍ عَابِدٍ حَامِدٍ وَهَذَا مِن الحَامِدِينَ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إلَى الْجَنَّةِ وَمِنْ بَيْنِهِمْ صَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ وَآدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ . وَهَذَا يَكُونُ الْقَضَاءُ خَيْراً لَهُ وَنِعْمَةً مِن اللَّهِ عَلَيْهِ . لَكِنْ يَكُونُ حَمْدُهُ لِلَّهِ وَرِضَاهُ بِقَضَائِهِ مِنْ حَيْثُ عَرَفَ اللَّهَ وَأَحَبَّهُ وَعَبَدَهُ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْأُلُوهِيَّةَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَيَكُونُ صَبْرُهُ وَرِضَاهُ وَحَمْدُهُ مِنْ عِبَادَتِهِ الصَّادِرَةِ عَنْ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ وَالشَّهَادَةِ وَهَذَا يَشْهَدُ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَالْإِلَهُ عِنْدَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ إلَّا مُجَرَّدَ رُبُوبِيَّتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَوْ مُجَرَّدَ إحْسَانِهِ وَنِعْمَتِهِ فَإِنَّهُمَا مَشْهَدَانِ نَاقِصَانِ قَاصِرَانِ وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِمَا مَنْ نَقَصَ عِلْمُهُ بِاَللَّهِ وَبِدِينِهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ كَأَهْلِ الْبِدَعِ مِن الجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِيَّةِ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَشْهَدُ أُولَئِكَ وَالثَّانِي مَشْهَدُ هَؤُلَاءِ وَشُهُودُ رُبُوبِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ مَعَ شُهُودِ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ مَعَ شُهُودِ إلَهِيَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَحَمْدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَمَجْدِهِ هُوَ مَشْهَدُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانِ